تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دخل الرجل متلففا بعباءة واسعة أخفت معالمه، وكان رجلا قصيرا، ترشح على وجهه الغامض أمارات الخبث والمكر والرياء، مع هيبة ووقار في طلعته، لا يستطيع إنكارهما من يراه وإن نفر منه، لم يسبق للشاب أن رأى هذا القادم، ولا يعلم عنه سوى قول أستاذه: إن سيدا عظيما سيطرق بابنا وقت السحر، فانتبه إليه، وأيقظني حالا بعد أن تعلمه أنني أصلي صلاة السحر.

لم يكد الرجل يجلس في قاعة الاستقبال حتى سأل عن الأستاذ الجليل، فأجيب بأنه يصلي صلاة السحر، فقال: نفعنا الله ببركاته. وكانت شفتاه تفتران عن ابتسامة ماكرة، أردفها بغمزات تعلن أنه يعرف كل شيء فلم يخدع، أسرع التلميذ وأيقظ أستاذه، ولم يخف عنه ابتسامة الرجل وغمزاته، فابتسم الأستاذ ابتسامة من لا يأبه للمكر لأنه أشد مكرا، وبعد أن أصلح حاله ولبس ثيابه بادر إلى استقبال ضيفه الكبير.

كان الأستاذ يتوهم أنه سيقابل شخصا مجهولا لديه، وإذا هو أمام أحد زبائنه، وما كان يعلم أنه وزير الميمنة كان يأتيه متخفيا، فدهش، وكان الوزير يبتسم ابتسامة الماكر الداهية. أهذا أنت؟ قالها الأستاذ وهو يرحب به ويحييه، بعد أن فثأ عن نفسه الدهشة، فأجابه الوزير: أنا هو بعينه.

الأستاذ :

ما كنت أنتظر أن أجتمع بصديق قديم عزيز في هذا الموعد المبارك.

الوزير :

بل قل: بتلميذ قديم، يعترف بالجميل، فقد أفدت كثيرا من نصائحك، وكانت نصائح خبير عالم، عرك الحياة وعركته، وها قد التقينا وعلنا نتعاون.

الأستاذ :

وكيف حالك مع شداد اليوم؟

الوزير :

إنني لا أزال أداوره.

الأستاذ :

وتداور الملك العادل معه، أراك تداور الاثنين، وتمكر بهما بدهاء الأذكياء.

الوزير :

ألم تعلمني أن الحياة مداورة ونفاق، وأن الإخلاص شيمة الضعفاء؟

الأستاذ :

أراك تلميذا نابها، استطاع أن يخدع ملكين عظيمين، وأن يثري على حسابهما وعلى حساب الشعب، فوسع شقة الخلاف بينهما، وظل صديقا لكل منهما، فما أشد مكرك، وما أوسع دهاءك!

الوزير :

وهل جئت أنت إلا لهذا؟

الأستاذ :

إنني مخلص لجلالة الملك العادل، جئت لأنقذه (قالها متصنعا الغضب) .

الوزير :

قه، قه، قه، قه، وهل بلغ بك الضعف درجة الإخلاص؟ ومتى؟ أيخلص من يملك شجاعتك في الاحتيال والشعوذة والخداع؟ أنسيت احتيالك على فلان وفلان، وخداعك لفلانة وفلانة؟ ومن أنقذك من حكم القضاء غيري؟ لولا يقظتي وحسن تصرفي، ولولا احترامي لذكائك وعلمك وخبرتك، ولولا أملي في أن أجد فيك خير معين على الأخصام، لكنت اليوم - كما تعلم - في أعماق السجون.

الأستاذ :

وهل كنت مطلعا على جميع هذه الحوادث، وقد اتهمت بها ظلما وبهتانا؟

الوزير :

ألا تزال تحاول مداورتي؟ لم أطلع وحسب، بل تدخلت في صالحك، وهذه وثائق الدعاوى أقيمت عليك، وما أراه تلك الوثائق حتى اصفر وجه الأستاذ، وارتبك ولم يعد قادرا على الكلام، فاستمر الوزير في حديثه بلهجة الظافر الواثق وقال: من هو الذي أغراك بالمجيء إلى العاصمة؟ لم يكن سوى رسول من قبلي، ألم يكن فلانا؟ ثم قام أتباعي بالدعاوة لك، ومهدت لك طريق الاجتماع بجلالته، وكنت ذكيا جدا بالاستيلاء على شعوره وأفكاره، ومن استطاع أن يجمع يستطيع أن يفرق، ولا سيما حين تكون هذه الوثائق في حوزته، إنك قد حققت ظني بك وحققت ظن شداد، فلنتصارح ولنتعاون إذا كنت لا تزال على طموحك في الثروة والوجاهة والنفوذ، وإلا فاذهب إلى بلدك لا يعرف أحد منك شيئا.

الأستاذ :

هه هه هيه، على رسلك يا هذا، وهل أنت من ملائكة السماء أم من قديسي الأرض؟ أتظن أن من أرسلتهم لاغتيال فلان وفلان قد كتموا سرك، ولم يخبروا به أحدا؟ أو تظن أنك في احتيالاتك ورشواتك بعيد عن أعين الرقباء؟ وهل في تشجيعك للمحاسيب والأقارب والمقربين على مخالفة القوانين خير لهذا البلد؟

الوزير :

وما لك تحاول رد التهم بخلق التهم؟ إنها لمراوغة جبان.

هذا التاج · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ٣٠