الأستاذ :
بل هي مدافعة عن الذات، وإنني أملك الوثائق، والله إنني جمعت ما يثبت آثامكم جميعا، أنتم حاشية الملك، ولم يعجزني سوى وزير الميسرة وقائد الجيش والمشير الأول، وسأجد لهم ما يلوثهم ولو في أجواء حياتهم الخاصة، فاطمئن، وما دمنا يعرف كل منا الآخر فلم المداورات وإضاعة الوقت؟! نعم، فلنتعاون.
الوزير (وقد افتر ثغره وبدا ضعفه خبيثا لئيما) :
ألا نتبادل الوثائق ونحرقها؟
الأستاذ :
على أن نكتب عهدا في التعاون.
اتفق المشعوذان الماكران على ذلك، وأحضر الأستاذ الجليل وثائقه، ونودي على التلميذ، وطلب إليه أن يحرق هذه الأوراق أمام أعينهما، ففعل، ثم تناقشا في نص العهد، فالوزير أراده مبطنا ينص على أنهما يتعاونان في صالح المملكة لينقذ بذلك الظواهر، وأصر الأستاذ على أن يكون صريحا، لا التواء فيه ولا تورية، فينص على أنهما يتعاونان على خداع الملك وشعبه، ويقتسمان المغانم والأرباح مادية ومعنوية، وانتصرت فكرة الأستاذ، واثقين بأنها تظل سرا مصونا، وضمانا لعدم حصول سهو أو نسيان، وأمضيا صك الخيانة والنفاق.
عندئذ وبعد أن احتفظ كل منهما بنسخة من ذلك العهد، التفت الوزير إلى شريكه الأستاذ، وقال بألم وضعف باديين: إنني أخشى تغير الملك علي.
وقص عليه ما جرى في الاجتماع، ثم روى له ما علم عن سهرة الملك وعن اجتماعه بمشيره الأول وكأنه كان حاضرا، وأكد له أن الملك يأمل أن يجد فيه روح أستاذه الشيخ الوقور موقد نار الثورة على أبيه.
الأستاذ :
وكيف اطلعت على ما لم تشهد من الحوادث وما عهدتك من المنجمين العبقريين.
الوزير :
لا أكتمك الحقيقة، وقد توحدت مصالحنا، فإن حاجب الملك هو جاسوس مخلص لي، ونستطيع الاعتماد عليه، ولكنني أود أن أنبهك لخطأ أوقعك فيه حرصك على اجتذاب قلب الملك، ولكنه يضر في مصلحتنا.
الأستاذ :
وما هو هذا الخطأ؟
الوزير :
إنك قد أوعزت بفكرة الحرية، وأطنبت أمام جلالته بحرية الشعب، وأنحيت باللائمة على طريقتي في التجسس، ولا أدري كيف يمكنك أن تتدارك كل هذه الأمور، وهي لا تنسجم مع ما صممنا عليه.
الأستاذ :
لا أريدك خوارا في عزيمتك، وقد أحسنت في إبلاغي ما جرى للملك، وسأتدبر الأمر فاطمئن، وأما اهتمامك بما قلته عن الشعب وحريته، فإنه يدل على ضعف في كياسة السياسة، ولا أدري كيف فاتك هذا الأمر، إننا نعطي من نخدع ما يحب وما يريد؛ لنأخذ منه ما نحب وما نريد: الحرية، العدالة، الرحمة، وما ماثلها، إنما هي كلمات يؤخذ بها المغفلون، ونستغلها نحن لمصالحنا، إننا لم نتورع عن استغلال الأديان على سموها وعلى شدة تأثيرها، أفنعجز عن استغلال هذه الكلمات، إنها كلمات تسحر عيون الناس وتعمي قلوبهم ما داموا لا يفقهون لها معنى، فلم نتورع عن استغلالها؟ هي سلاح خصومنا، فلنسلبهم سلاحهم هذا، ولنتخذه سلاحا لنا، إنما يخشى علينا منها، إذا ما فقهوا معانيها، واتصلت بنفوسهم على حقيقتها، وسترى كيف سأشوش على الملك وعلى الشعب فهم معاني هذه الكلمات الساحرة، سيختلط عليهم الأمر، فتدرك كيف نتخذها وسائل لإلقاء أبواب السحر، نحن السحرة لا نكتفي باستخدام عالم الجن ولا بالاتصال بعالم الأرواح، بل نستخدم هذه الألفاظ ولا سيما المبهمة منها، وهي أكثر تأثيرا في استعباد الناس من الجن والشياطين والأرواح والشعب، ألا تزال تؤمن بخرافة الشعب؟ إنه وثني ألفاظ، يساق بها كما تساق الماشية ما دام جاهلا مغفلا، وإذا اضطررت لتعليمه فاثقل المنهاج وغرر بالمعلمين، كن مطمئنا، وثق بي، ولا تعجل، فالعجلة من الشيطان يزل بها الإنسان.
وما بلغا من حديثهما هذا الحد حتى دخل التلميذ، ينبئ الأستاذ عن وصول رسول الملك مع بعض الأتباع، وإنهم يقولون: إن جلالته في انتظار الأستاذ الجليل.
ظهر الفزع على الوزير، فابتسم الأستاذ قائلا: ابق هنا مع تلميذي إلى أن يبعد بي الموكب، وإلى اللقاء، وابتسم كل منهما للآخر ابتسامة المكر والنفاق.