ولكن أخذته الدهشة في اليوم التالي إذ رأى تلك الضبع - الفأرة - في حزنها وجزعها ورعبها؛ لأنها أصبحت تخاف من الصياد، فسخط، ثم التفت إلى تلك الضبع، وعزم وأقسم، ثم قال: ارجعي إلى أصلك، فإنني لا أستطيع أن أعمل شيئا في إبادة الخوف من نفسك ما دمت لا تحملين إلا قلب فأرة.
هنا تنتهي الأسطورة، وإنني لأتأمل في اللئيم تحسن إليه ويظل اللؤم مسيطرا على نفسه وكيانه، وأفكر في أبناء الحرام لا يمكن أن تصدر عنهم أعمال أبناء الحلال مهما تعلموا ومهما رفعت من مقامهم.
المشير (وقد تملكه الخوف) :
وهل يشك صاحب الجلالة في إخلاص عبده هذا؟ وأشار إلى نفسه.
الملك :
لم أردك في قولي هذا، ولم أقصد أي شخص بعينه، ما دمت في سحب الغموض، لا أستطيع أن أتثبت من الجرم فأتهم، إن الجرم واقع والعرش أصبح في خطر، ولا أدري من المجرم لأنقذ المملكة والعرش من إجرامه، من هم أولئك الانتهازيون الذين لا يهمهم إلا الوصول ليشبعوا جوع أطماعهم؟ من هم أولئك الخونة؟ وهم لا يتورعون عن الاتصال بعدو المملكة، يتآمرون على العرش؛ ليرووا ظمأ تعلقهم بالمناصب والمظاهر ، من هم أولئك المنافقون الذين يظهرون الإخلاص لملكهم، وهم لا يعملون إلا للإثراء والترف على حساب إفقار الشعب، وتعريض العرش للخطر؟ إنهم أبناء الحرام، ليسوا من هذه الأمة وإن حشروا بين أبنائها، وليسوا من أصلاب آبائهم وإن نسبوا إلى أولئك الآباء؛ لأنهم لا يفكرون بصالح الأمة ولا بكرامة الآباء والأجداد، تغريهم الأوهام، وينفخهم ما هم عليه من ادعاء وغرور، إلى متى نخدع بهم ولا نجد وسيلة الاهتداء إليهم لننقذ الأمة من شرورهم؟ قل لي: ماذا فعلتم أنت وأعوانك؟ وما هي الأدلة التي تثبت الجريمة؟ قل لي قبل أن يسبقنا الزمن، فأضطر في تصرفي لأن أنقم من أبرياء، وأقرب مجرمين يحسنون الخداع والتدليس والشعوذة، فننهار جميعا، ونصبح في قبضة شداد، يذلنا ويستعبدنا وهو لا يرحم.
المشير :
مولاي، ليس اكتشاف هؤلاء بالأمر السهل، ما دام الشر كل الشر يكمن في حاشية صاحب الجلالة وفي أخصائه وموضع ثقته، وأكاد أصل، فليتكرم صاحب الجلالة بإمهالي بعض الوقت، أو فليصرفني من عملي إذا أمر.
الملك :
أراك مللت العمل، وما تعودت أن أسمع منك ما أسمع.
المشير :
مولاي، أفتسمحون لي أن أكون صريحا وعلي الأمان؟
الملك :
قل ما بدا لك.
المشير :
إننا مكبلون، لا نستطيع حراكا ما دمنا نتلقى الأوامر من الوزراء والكبراء، فمن نفوس بعض هؤلاء تنتشر السموم، فيختلط علينا الأمر، نعم، إن العرش أصبح في خطر، والعرش لمليكه، وللملك أن يحفظه ويحميه، فإن كنا نستحق ثقته فليتفضل بمنحنا سعة تامة في صلاحيات العمل، على ألا نتلقى أمرا إلا من صاحب العرش المفدى؛ لأنه بحكم وضعه يمثل مصلحة المملكة وصالح الرعية، ولا بد في هذه الحالة من أن نأمن الشغب والدس والنميمة، فنكون في جو من الصراحة لا تحجب أنوار الحقائق فيه سحب الشعوذة والتدجيل.
الملك :
ليكن لك ولمعاونيك ما أردت، وإنني أمنحك سلطة تامة تشمل جميع الناس، حتى وحيدي الصغير ولي العهد.
المشير :
ويكون ذلك سرا لا يعرف به أحد.
الملك :
نعم، فاذهب ونم بهناء.
المشير :
والله لن أنام في فراش بعد اليوم، حتى أكتشف مكمن الفساد والشغب، وأمكن مليكي من أن يضع الأمور في نصابها، سأطلق هررتي لتصطاد تلك الفئران، فتسلم الأمور لأربابها، ويرتاح الشعب، فلا يظل بقرة لا يصل صغارها للبن أمهم الحنون.
عاش الملك، يكلأ الشعب بعناية الله.
| الفصل السادس عشر
قال الراوي: كان الوقت سحرا لم يتنفس عن فجره، ولم ينبثق عنه صباحه بعد، عندما طرقت دار الأستاذ الجليل طرقا خفيفا، استفاق له التلميذ الشاب، وأسرع إلى فتح الباب، إنها طرقات أنبأت عن موعد عقد في الأمسية الماضية، وتهيأ لها الشاب بأمر من أستاذه.