تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا تذكر الأستاذ الجليل الساحر، فاطمأن نوعا، وقال في نفسه: لعل الله القدير قد بعث بروح ذلك الشيخ الحكيم في ناسوت هذا الأستاذ الجليل، رحمتك اللهم، وما خطر له هذا الخاطر حتى استفاق لواقعه فوجد نفسه في الهزيع الأخير من الليل، ساعات مرت به وهو غافل عن واقعه، غارق في تأملات الماضي بفعل شدة وطأة الواقع في حاضره المرتبك المضطرب، صفق بيديه فدخل الحاجب مسرعا، وعلى وجهه أمارات الاهتمام والاضطراب، ابتسم الملك وخاطبه متلطفا: ليلتك ساهرة! إنها ليلة بيضاء، لك عليها إجازة ثلاثة أيام ومكافأة، فأجابه الحاجب بتذلل واستحياء مرتبك: إن توفيقي في خدمة مولاي صاحب الجلالة هو أكبر مكافأة، وليس من واجب أحب إلى نفس العبد من سهره على راحة سيده، ولكننا كنا في بلبال، زاده شدة أمر مولاي بألا أفتح الباب ولا أستأذن لأحد، فلم يكن باستطاعتنا أن نروح نفس جلالة الملك، أو أن نقوم بخدمته لدفع القلق، وهنا التفت الملك إلى الحاجب باهتمام وقال: تتكلم بصيغة الجمع، فهل معك أحد؟ نعم يا مولاي، إن المشير الأول وبعض أعوانه ينتظرون منذ أمرتني بإغلاق الباب، فتذكر الملك أنه كان على موعد مع مشيره الأول ليطلعه على ما يكتشفه بواسطة عيونه وجواسيسه من الأدلة الجرمية التي تدين ابن أخيه، ومن يغرر به من أبناء الحرام، فأمر بإدخاله حالا ناسيا أن الجوع أخذ يحرق معدته، وأن الظمأ يلهبها، «إن العرش في خطر» كلمة أضاعت صوابه، وشغلته عن ذاته، فصرف عن كل شيء.

دخل المشير وكان رجلا مهيبا، تدل ملامحه على أنه يودع الكهولة، ويستقبل شيخوخة رغدة نضرة، محتفظا بنشاط شبابه، فحيا بالتحية الملكية، وظل واقفا ينتظر أن يفيق الملك من ذهوله.

انتبه الملك بعد لحظات، فأمر المشير بالجلوس على مقعد أمامه، وساد القاعة صمت مهيب، لم يجرؤ المشير على الرغم من اضطرابه الظاهر أن يخرق حرمته؛ لأن المراسم الملكية تقضي بألا يفاتح أصحاب الجلالة بالحديث، وأخيرا وبعد دقائق صمت وتأمل التفت الملك إلى مشيره وقال: أتعبتك اليوم، فهل من جديد؟

المشير :

لا يتعب العبد في خدمة مولاه يا صاحب الجلالة، وإنما يقلقني ما أغمض علي من أسباب تأملات الملك وتفكيره بعد عزلته الليلة، والثقة لا يتحمل الإبهام، وهل على هذا العارض المفاجئ من جديد؟

الملك :

كنت أتأمل في مغازي أسطورة كثيرا ما سمعتها من أستاذي الحكيم - رحمه الله ووسع عليه في سمائه - وكأني أسمعها منه الآن، ولا أدري لم نسيتها كل هذا الزمن.

المشير (وقد رأى في معرفة هذه الأسطورة مفتاحا عله يساعده على فتح أبواب ما أغلق عليه من أسباب ذهول الملك وهمه) :

وهل يتفضل مولاي الملك، فيجيز لي التأمل في مغازي أسطورة ذلك الحكيم؟

الملك :

إنها الحكمة، لبست لباس الأسطورة والخرافة، إنها من الحكم الخالدة، فاستمع لما رواه أستاذنا الشيخ عن الأقدمين :

كان في بلاد الهند قديما ساحر عظيم، اشتهر بالعلم والحكمة وسمو المدارك، وبلغ في مقدرة نفسه أنه كان يفهم لغات الحيوان، ويستطيع قلب الأعيان، فينقل الإنسان لصورة الحيوان والحيوان لصورة الإنسان، وما كان يعجزه أن يجعل النبات أو الحجر حيوانا أو إنسانا، ولا أن يعكس، ولا أدري لم اختص القدم بهؤلاء السحرة الأفذاذ.

رأى ذلك الساحر يوما فأرة، أهزلها حزن شديد دائم، وفي استجوابها علم أنها تخاف من الهرة، فأشفق عليها، وحولها إلى هرة عظيمة تهابها الهرر والهررة.

مر الساحر بتلك الهرة - الفأرة - واستغرب أن يجدها في حزنها وهلعها؛ لأنها أصبحت تخاف من الكلب، فعزم عليها، وحولها إلى كلب كبير كاسر تخشاه سائر الكلاب.

ولكنه عاد في اليوم الثاني فوجد ذلك الكلب - الفأرة - في حزن وجزع ورعب، إنها أصبحت تخاف من الضبع، فأقسم عليها فانقلبت ضبعا مفترسا تفر من هيبتها السباع.

هذا التاج · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ٢٨