تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما الفرق عندي بين ملكنا وبين شداد؟! ليحكم البلد من شاء وكيف شاء، فالمهم أن أتسلط على قلوب الناس، ومتى أصبحت قائدا لعقولهم موجها لقلوبهم، يحتاج إلي صاحب التاج سواء أكان ملكنا هذا أم شداد أو غيره، لا تخش من الملوك من يتعلق بالتاج، ما دمت ذكيا تعرف كيف تتلاعب بالألفاظ، وكيف تلقي في السحر أبوابه، وتخضع السوقة من الناس بصرعهم، إنما يخشى أمثالنا الملوك الزاهدين ببريق جواهر التيجان المحبين لرعيتهم العاملين على مصالحهم بالعدل والإنصاف، فإذا ما ارتبطت الرعية بملكها بروابط تبادل الحب واحترام المصلحة العامة، وتحقيق الحرية والعدل بطل السحر والساحر، ولم يعد لأرباب المطامع والمآرب منا أي ميدان للجولان.

دهش الشاب، فلم يستطع صبرا، فسأل أستاذه عن السبب الذي يمنعه من إصلاح حال الملك، ومن العمل على إعادته لما كان عليه من عدل وتحرر، بإنقاذه من آفة تلك الوسوسة؛ فيرتاح وترتاح رعيته، ويعود لسابق عهد زاهر، يمكنه من الظفر على خصمه ومن إسعاد رعيته، ألا تذكر يا مولاي، كيف كان الناس في ذلك العهد؟ فإن آباءنا يخبروننا بما سعد به آنئذ الناس، ونحن الشباب لا نزال نتذوق تلك الغبطة والطمأنينة التي كانوا يتمتعون بها في تلك العهود، فلم لا تعود؟ أتعجز عن القضاء على الفساد لإصلاح العباد، وأنت العالم النحرير، والخطيب القدير، والمعلم الخبير، أليس للعلوم الروحانية اتجاه لخير الناس؟ ولما لمح بوادر الغضب على وجه أستاذه، تدارك الأمر حالا، وقال: اعذرني، فإنني طالب علم، يحاول أن يفهم دون أن يكون لهذه المحاولة أي أثر في إيمانه بأستاذه، وأي تأثير في خضوعه لسلطانه، فابتسم الأستاذ دون أن يتبدل اربداد لونه، وأجاب تلميذه بقوله: ألهذا جئنا يا أحمق؟ إنك أبله مغفل حقا. فلم يجد التلميذ مهربا من أن يؤيد أستاذه في قوله، فاعترف بحمقه وغفلته، وأنه إنما هو بمعيته ليكشف له عن بصيرته.

فارتاح الأستاذ الجليل لقوله، وأمره بأن يساعد الخادم بتحضير العشاء؛ لأن الجوع أخذ منه مأخذه، فلا يستطيع إكمال الحديث، فلينتظر إلى ما بعد العشاء.

| الفصل التاسع

قال الراوي: لم يكن في منزل الأستاذ الجليل غرفة خاصة للطعام، فأحضر إليه طعامه وهو في القاعة على طبق من قش، وضع الخادم الطبق على أرض القاعة وفي وسطها، ثم نظر إلى الأستاذ نظرة المتسائل عما يأمره به بعد، فأومأ إليه بالانصراف بعد أن تحقق بنظرة ألقاها على الطبق، بأن كل ما يحتاج إليه لعشائه حاضر أمامه، انصرف الخادم بعد أن رد الباب وأحكم إقفاله؛ إن الأستاذ يتأذى من أن يراه أحد حين يأكل، فهو شره نهم يتناول الأكل بعينيه وبفمه ويديه، ويكاد يأكل بحواسه جميعا وبكل جسمه، ليتك كنت تراه يمضغ الطعام ويتلمظه ساهبا، يوشك أن يغفو على الطبق، لولا أن يوقظه فراغ فمه ... أطنب الراوي في وصف إفراطه في شهواته وملذاته، في أكله وشربه، وفي أطماعه واستشراف نفسه لدرجة تجعلني أذكره كلما ذكر راسبوتين، وكلما فكرت في أمر الكثيرين من ذوي الأطماع المتكالبين، أولئك هم الذين لا يحللون ولا يحرمون في محاولات سعيهم لتحقيق موضوع الطمع في نفوسهم، إنهم لا يأبهون لما يلحق الآخرين بجريرتهم من أذى، ولا يكترثون لما تمنى به الأمة من نكبات بسبب ما يعملون على تحقيقه من مآرب ذاتية وأطماع، ومن أهداف شخصية وشهوات، إنهم أشرار مجرمون، يتمثلهم عامة الناس عندنا، وقد ابتلاهم بهم الزمن، بمن لا يتورع عن أن يلهب البلد ليشعل سيكارته، والشره في الجاه كالشره في الأكل والشراب، بل هو أشد فتكا في الأمم، ونهم المال والمناصب أدعى إلى النكبات في المجتمع من نهم البطن وشهواته.

وكأني بالحياة في نقمتها على المجتمع الغافل عن ذاته، وعلى الأمة الغائبة عن حقيقتها، وعلى الإنسان الهازئ بإنسانيته وبمثلها تنتقم، فتسلط على الغافلين والغائبين والهازئين شرورا، تتمثل بالشره والنهم على أنواعها وفي مختلف الأشكال، ولعلها اجتمعت كلها في هذا الأستاذ الجليل.

هذا التاج · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ١٦