بهذه المعاني وبما يشابهها كان التلميذ يناجي نفسه وهو في انتظار أستاذه، بعد أن تناول طعام العشاء مع خادم المنزل، إنه شاب متوثب، ديمقراطي الروح، وعميق التأمل، يؤمن بآراء ذلك الرجل الحكيم وأقواله، وقد تغذت بها نفسه، حتى أصبحت في صميم فاعليته تفكيرا وشعورا وسلوكا، وهو إذا ما دارى الأستاذ الساحر وواربه؛ فلأنه صمم على أن يرد كيده إلى نحره، آمن بدهاء أستاذه وبسعة اطلاعه وذكائه، كما آمن بخبثه وفساد طويته ونواياه؛ فأصبح يخشى على الأمة من مناوراته الخائنة، ومداوراته الماكرة، ومؤامراته الدنيئة، وما علم بعزمه على الاتصال بالملك في عاصمة ملكه، حتى أدرك كل شيء، فتوسل إليه أن يصطحبه، آملا أن يرد عن الأمة تلك النكبات، وقد يبيتها لها ذلك المشعوذ إشباعا لشرهه وتحقيقا لمأربه وجشعه. وللشباب وثبات، كثيرا ما أنقذت المجتمع من ويلات، ونجت الأمم من مهالك، وكم كان لهذه الوثبات من فضل في إنقاذ الأمم من مزالق الانهيار، وفي إعادتها إلى ميادين التقدم، لتستمر في ارتقاء سلم الحياة، ناهضة مستبشرة، لا تخشى الدجل، ولا تخاف الشعوذة، فهنيئا لأمة تتحقق فيها وثبات شبابها، وتعسا لمجتمع تكبت فيه تلك الوثبات الخيرة.
غاب الشاب في تأملاته عما حوله حتى أيقظه دفع الأستاذ لباب القاعة، وخروجه خروج الظافر، يتلمظ بقية طعام في فمه، ويسرع إلى غسل يديه، عاد الساحر بعد ذلك كله إلى مقعده الأول، ونادى تلميذه، وابتسم ابتسامة من يتذكر استخفافا يريد أن يدفعه فقال: سألتني عن أبواب استخدمتها اليوم، ولم أكن لأستخدمها في استمالة أفراد أتملقهم، وهل التملق سوى باب من أبواب السحر، يستخدم في استمالة السذج؟ وهم ليسوا جديرين بتلك الأبواب القوية لأنهم سخفاء. إن استحضار الجن والأرواح والشياطين وإلقاء ما اشتد وقوي من الأبواب، إنما يكون في هذه الأحوال المعقدة والأطماع الكبيرة، وإلا فتجارة الساحر خاسرة، وليس من السهل أن يجمع الساحر كل قواه في جميع الأوقات.
هنا تنهد الشاب، وقال: ومتى تفي بوعدك، فأرى تلك الأرواح والعفاريت وأكلمها؟ فأجابه الأستاذ: لم يكتمل إيمانك بعد، ومتى اكتمل ترى العجائب، وتخضع لك القوى. وليتخلص الأستاذ من إلحاح تلميذه وإحراجه حول حديثه إلى موضوع آخر، فسأله عما لديه من أخبار ذلك الفيلسوف وأحاديثه وأحواله؟ - إنني ما زلت أواظب على حضور دروس هذا الأستاذ كما أمرتني، وهو لا يزال يتوسع في مباحث المساواة بين البشر مفضلا مناقشة الشباب بإثارة المواضيع لينمي فيهم أصالة التفكير.
الأستاذ :
ألا يزال ينشر فكرة مساواة السوقة بالأكابر وبالملوك؟ يا له من وقح يجب تأديبه! ويريد فوق ذلك أن يجعل للغوغاء تفكيرا أصيلا، وشعورا ينبثق عن الذات، وسلوكا يختاره عامة الناس، فلا يوجهون ولا يقيدون بتقاليد وعادات، فرضها علينا التاريخ، وأوجبها ما بين طبقات الناس من فروق وامتيازات، إنه لمجرم خطر، يستحق أقسى أنواع العقاب، وسيكون لي معه شأن وأي شأن. قل لي، أيكثر مريدوه أم يقلون؟
التلميذ :
إنهم يزدادون باطراد.
س :
هل هم من الجيل الطالع الجديد؟ أم من الجيل السابق القديم؟
ت :
ليس بينهم شيوخ، وقلتهم من الكهول، وكثرتهم من الشباب، شابات وشبانا.
س :
وهل لا يزال يجمع بين الجنسين؟ يا ويله من عذاب أليم! إنه يفسد على الأمة شبابها، وسيناله جزاء المفسدين، الآن وجدت نقطة الضعف في دعوته، وسأضرب فيه موضع الضعف، ولن تقوم له قائمة. قل لي، أترى أن للشابين الوقحين صلة به وبتعاليمه؟
ت :
إن يكونا من انصرف إليهما ذهني في أثناء البحث في شأنهما في جلسة من عبرتم عنهم بالشمامين، فهما من ألمع شباب حلقة الفيلسوف ولا شك.
س :
تفاقم الشر إذن، واستفحل الفساد، وسينالهما أقسى العقاب.
وهنا أخذ التلميذ يداور أستاذه؛ لينقذ الشابين، وهما من أعز أصدقائه، ينسجم معهم ومع رفاق لهما في التفكير والأهداف، فقال: