ولم يتم التلميذ حديثه هذا حتى ظهرت عليه بوادر الخوف، وأمارات الاضطراب خشية من غضب الأستاذ، وهو لا يريد إغضابه لأمر يخفيه، فليس من مصلحته إذن أن يقوم بما يجافيه، على الرغم من شدة معرفته بسوء مآتيه، وستبدو الحقيقة في سياق هذه الحكاية لمن يلقي سمعه، ويفكر بتأمل وشعور، لذلك كله أخذ التلميذ يعتذر، والأستاذ يزور عنه حينا ويلين حينا آخر، ثم يتجهم ويزبد ليبتسم ابتسامة صفراء يعقبها بتأمل مريب، وهي أحوال تعودها التلميذ، وتبدو من الأستاذ كلما توهم في تلميذه ترددا أو ارتيابا، إنه يريد منه إيمانا صادقا لا شائبة فيه، وهذا ما أكده الشاب مقسما الأيمان على إيمانه بمآتي أستاذه، وأنه إنما يريد الإفادة من علومه بأسرع ما يمكن، فإن الشوق لمعرفة تلك الحقائق يكاد يحرقه ويضنيه.
فافتر ثغر الأستاذ الجليل عن ابتسامة اطمئنان ورضى. وربت على كتف تلميذه مشجعا، وأنبأه عن تلك الأبواب التي سأل عنها بما يأتي: قلت لك: إن أبواب السحر كثيرة، نستعمل منها ما يقتضيه الحال، وقد ألقيت اليوم على الناس وعلى مليكهم أبواب الدهشة والغفلة والانجذاب، فأصبحوا على ما سمعت ورأيت يصفقون ويهتفون، ولا يعلمون شيئا عما تنطلق له حناجرهم، ويجهلون كل شيء عما يستخدم في العوالم الخفية لتحريك أيديهم وتوجيه عيونهم وقلوبهم، إنها الغفلة، وهم تائهون لا يستطيعون لحماستهم هذه دفعا، وهم بذلك كله وبأبواب غيرها من السحر أستعملها بعد حين، يهيئون للباب الأعظم في سحرنا وهو باب الصرعة،
1
باب يغيبهم عن ذاتهم، فيستسلمون به لإرادة الساحر استسلاما كليا، فلا يخالفون له أمرا، ولو أدى بهم ذلك إلى الهلاك، وسأرسل للملك في هذه الليلة شياطين الوهم؛ فيصبح في خلوة الغد أطوع من بناني برفق وحكمة، إذ يتعذر صرع الملوك لهيبة السلطان، ولكن الوهم أشد فعلا في نفوسهم، وأقوى تأثيرا في قلوبهم من باب الصرع في السوقة، إلا أنه يتطلب كثيرا من الحنكة والذكاء، وسترى إذا صبرت وتريثت العجب العجاب.
قريبا وقريبا جدا ستتبدل هذه المقاعد الخشبية القاسية المتواضعة، فتصبح وثيرة من الأبنوس والذهب، وسترى عليها وعلى أرض الدار والغرف مساند الديباج وطنافس الحرير الموشاة بالفضة والذهب، شأن الملوك العظام، نعم، سأصبح الملك غير المتوج في هذه البلاد، وهنا تحرك صدره بتنهد الجشع الطماع، ينتظر لمآربه الفوز والنجاح، وغرق في تأمل عميق تهيبه التلميذ، ثم رفع رأسه بتؤدة ووقار، وثبت عينيه في عيني تلميذه وقال: نعم، سأكون ملكا غير متوج، وستكون إذا صبرت وصدقت من وارثي مغانم هذا الملك، وستنتقل أمجاده فيك وفي أولادي وسائر تلاميذي إلى الأحفاد إلى الأبد، إنني لا أرغب في التاج، فسأتركه للملوك وأبنائهم، سأتركه على رءوسهم وسيلة أتلاعب بها بعقولهم، وأسيطر بها على قلوبهم، إنهم يتعشقون التيجان، فليهنئوا بها، ولتظل قلوبهم متعلقة بها؛ لتشعل نفوسهم بها، فنتمتع نحن بالخيرات، وننعم نحن باللذات والمسرات، نجمع الثروات والأعوان، ونخضع الناس، ونسخرهم لمتاعنا على حساب خوف الملوك على تيجانهم، إنهم يحبون التيجان حبا جما، فليحتكروها، فإنها من أشد القوى التي تستخدمها شياطين الوهم، وبها تهيئ الملوك لسائر أبواب السحر، ولباب الصرعة في كثير من الملابسات، إنني لن أزاحم الملك على تاجه، ولعلي أقدم له تاجا آخر أرسله مع الوهم، لم تكن التيجان تتعلق بها قلوب الملوك سوى وسيلة قوية من وسائل نجاح أمثالنا، ممن يعرفون كيف يغتصبون متع الحياة اغتصابا على رفاة المغفلين من الناس والمغرورين المخدوعين من الملوك، اصبر وآمن، واصدقني الخدمة تكن أسعد الناس، فكن مطمئنا. قامت في نفس التلميذ هواجس وهواجس، ولكنه التفت إلى أستاذه، وقال: آمنت وصدقت بجميع ما تقول، ولكن لم تنبئني عن شأنك مع شداد، ذلك الملك الجبار الواقف على الأبواب، والمتربص شرا بالملك، وبما في مملكته من رعية وعبيد؟ فقهقه الساحر قهقهات متقطعة قوية، قه، قه، قه، قه، ثم قال لتلميذه: إنك لغبي مغفل، وهل لمن له طموحي ومآربي أن يفكر في من يملك على البلد؟