تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما لك لا تذكر حالنا عندما نزعنا عن أعناقنا نير هذا الملك؟ أكنا نتاجر بالكلام، ونخدع الناس بتزويقه، ونأخذهم بسحر ألفاظه وحروفه؟ والله، لو كان أمر الأمة في ذلك الدور كما تقول لما نزع عنا نير، والآن نحن مهددون بعودة هذا النير إذا لم نعد لسجايا النهضة وأخلاقها، ولا منفذ لشداد إلينا إلا بسجايا أدوار الانهيار.

لم يخلق الإنسان عبثا، وللحياة فينا أهداف، لا تطمئن نفوسنا إلا بها، إنها تستهدف مثلا عليا وقيما سامية ما خلق الإنسان إلا لتحقيقها في تفاعله مع مجتمعه؛ لسعادة ذلك المجتمع، فتتحقق سعادته بسعادة الآخرين، هذه هي غاية الغايات في تطورات الحياة، وهذا هو الهدف الذي يجب أن يرمي إليه الإنسان في استكمال إنسانيته وحضارته، فإذا ما انحرف عنهما، انتقمت منه الحياة، فيبتلى بالاضطراب والبلبلة في تفكيره وشعوره، وتتكون في نفسه وفي مجتمعه أزمات يختل معها التوازن، ولا ينقذه منها سوى اختمار نفسه الإنسانية بخميرة مجتمعه ليستعيد توازنه، وإلا اضطر لإعلان إفلاسه، فيكون كالساعي إلى حتفه بظلفه.

وإنني أرى أننا بين تيارين: تيار صالح باستطاعته إنقاذنا، وهو التيار الذي يدفعنا به ذلك الأستاذ الحكيم لننهض، وتيار فاسد نخشى أن يعيد النير إلى أعناقنا، هو تيار الشعوذة، ينضم لتأييدها وتقويتها هذا المشعوذ الذي تلقبونه بالأستاذ الجليل، وما هو إلا دجال مكار، أنقذنا الله من شره وبلائه!

وهكذا تفرق الرفاق كل إلى منزله بعد نقاش وحوار وجدال، لم تسفر نتائجها عن أية خطة مشتركة أو تصميم جدي، سوى ما قرره كل فرد في نفسه ولنفسه.

فسبحان من أودع في كل قلب ما أشغله!

| الفصل الثامن

قال الراوي: لم يخرج المجتمعون من دار الأستاذ الجليل حتى تنفس التلميذ الشاب الصعداء بتنهد عميق، قهقه له الأستاذ قهقهة طويلة داوية، ثم التفت إلى تلميذه قائلا: ما لك تتخذ وضع من ألقى حمله الثقيل عن عاتقه؟ ألهذه الدرجة ثقلت على نفسك هذه الأحاديث؟ فما أشد ما أزعجك مجلس هؤلاء الوجهاء الكبار! قال الأستاذ ذلك، وأثر القهقهة لا يزال مشعا على وجهه بابتسامة عريضة شجعت التلميذ على أن يلقي عليه هذا السؤال: قل لي بربك: أي باب من أبواب السحر ألقيت اليوم على هؤلاء الناس، حتى تبدلت السماء غير السماء والأرض غير الأرض؟! عهدي بك قبل اليوم تبذل الجهود الجبارة، وتستخدم وسائلك السحرية على اختلافها؛ لتتصل بواحد من هؤلاء، وقد تنجح وقد لا تنجح، وإذا نجحت فكنت تتملقه أكثر مما يتملقك حتى تستولي عليه بعد طول زمن، فتستبد به، وتبتز ماله وقلبه وضميره، فماذا حدث في أقل من نهار فارقتني فيه، حتى جاء كل هؤلاء يتسكعون على أعتابك، ويحرقون لك بخور التذلل والإعجاب والإكبار دون حساب؟

هنا أرسل الأستاذ الجليل قهقهة ثانية كانت أشد دويا من الأولى، ثم جلس على مقعده المتواضع مفرشخا رجليه، مسترخيا في وضع جسمه ويديه، شأن من يستريح استراحة الظافرين بعد الجهاد والكفاح والعناء، ثم التفت إلى تلميذه المشدوه وقال له: يا لك من غر جاهل! أنسيت مقدرة أستاذك وخبرته الواسعة في العلوم الروحانية، وما يستخدمه من جنود العالم التحتاني وملوكهم؟ ما لك! ألا تذكر عوالم الأفلاك، وقد حدثتك أنها تساعدني بما أستحضره من أرواحها؟ أتتناسى شمشريخة وشمشروخ، وبخبخانة وبخبخون، والزوبعانة والزوبعون، والزعزعانة والزعزعون، وتلك الداهية الحيزبون، والمارد المأفون وشياطين الجنون؟ ما لك تتباله؟ هل تستعظم ما رأيت على من يسيطر بسحره على ملوك الجان جميعا من أحمر وأصفر وأبيض وأسود وأزرق وأخضر ومن سائر الألوان؟ ألم أسمعك يوما صوت الملك الأصفر وحديثه، واعدا إياك بأن أجمعك يوما بكل هؤلاء؟

ارتبك التلميذ واضطرب، وأكد لأستاذه أنه لم ينس شيئا من كل تلك الدروس التي تلقاها، وأنه على أحر من الجمر، في انتظار اتصاله بعوالم الأفلاك والجان والمردة والشياطين والأرواح، ولكنه مدهوش من تلك السرعة؛ سحر بها هؤلاء الناس، فهو يتساءل عن أبواب السحر التي ألقاها ليستفيد ويتعلم، ولا ينكر على أستاذه قدرته وسلطانه.

هذا التاج · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هذا التاجص ١٤