فالإنسان مهما بلغ به السخف والحمق والجهل، ومهما بعدت في منازعه الغايات والمآرب والأهواء، يظل أمينا على نزعة الخير في إنسانيته ولو في سر فؤاده، وإلا كان استمراره على السير بغرائزه الحيوانية أقرب لواقعه من سير إنساني يدفعه لبناء الحضارات والمدنيات، ولولا هذه الخميرة في فطرة الإنسان لما اختمر في ثورة الحق على الباطل أي عجين.
والإنسان كائن عجيب، إنه غامض في نموه وفي تكوناته، وحياته في تعقد يستمر تزايد العقد به، وفيه باستمرار تقدم الحضارة في مناحيه، فإن لم تتداركه الثقافة في أدق معانيها رجع القهقرى، وانحرف في كل أموره وفي توازنه، فقد يتوازن في ذاته مع مجتمعه، وهذا هو التوازن المستقيم المنقذ، وقد يتوازن في ذاته لذاته فيكون توازنه منحرفا، وهذا ما وقع للخارجين سكارى مضطربين من دار الأستاذ الجليل، فإنهم في حين شعروا بخلل التوازن في تفكيرهم، لم يحاولوا بلوغ التوازن المستقيم مع المجتمع الذي يحيون به وفيه، بل استقروا على توازن منحرف، وهم لو حاولوا الاستقامة في توازنهم لاجتمعوا إخوانا يتعاونون على نصرة الحق والحقيقة وخذلان الباطل والشعوذة، ولكنهم توازنوا مع فردية أنانيتهم، فتفرقوا زمرا متباعدة الأهداف ومختلفة المنازع والغايات، فكان رئيس ديوان وزير الميمنة وجاسوسه زمرة انفصلت عن سائر الصحب، بعد أن أجريت مراسم التوديع حسب الأصول، وكون المشدوه الذي شهق واستعاذ بالله زمرة ثانية مع بعض الرفاق سارت في زقاق يتفرع عن تلك الطريق، ولم يكن رجل الزاوية وحيدا عندما انصرف ورفاق له من زقاق آخر، وهكذا تعددت الزمر، وافترق الأصحاب وفي نفوسهم أشياء وأشياء، عبروا عن بعضها في سيرهم، وهاك مقتطفات من تلك الأحاديث: لم يعلق أي منهم بكلمة على ذلك المجلس عندما خرجوا مجتمعين، بل اكتفوا بابتسامات لها معانيها، وبتحيات تنم أوضاعها عن الحذر، فلم يكونوا يثقون بعضهم ببعض لاختلاف المآرب والغايات، ولكن لم ينفرد الرفاق المتحدة أهدافهم نوعا، حتى ظهر كثير مما تكنه هذه النفوس.
التفت رئيس الديوان عندما أحس بخلو الطريق، وسأل رفيقه عن رأيه بالأستاذ الجليل. - إنه ذكي ولا شك، ولكني لا أستطيع تقدير درجة علمه، لأنني لست من العلماء، ولست من الأتقياء الورعين ليتيسر لي الحكم على تقاه وورعه، فمثلنا ينخدع بهذه المظاهر، وبها قد تؤخذ الشعوب، ولا سيما عامة الناس فيها. - ليس هذا ما أردت يا غافل، أنسيت المهمة التي جئنا من أجلها؟ - عفوا، إنك تقصد ما أوصانا به مولانا الوزير، إن الرجل ولا شك مشعوذ ذكي ودجال خطر، يمكن استخدامه لمصلحة الوزير ولكن على حذر، ويجب أن نتصل حالا بمولانا الوزير لنعلمه بكل شيء حتى يهيئ نفسه للاجتماع به صباح الغد، ولعلك أبلغته عن نية الوزير بزيارته؟ - نعم، همست في أذنه بما أمر به مولاي الوزير.
وقد استمر حديثهما التحليلي الناقد حتى بلغا قصر وزير الميمنة، وسيكون له شأنه.
أما المشدوه الذي شهق فقد كان مأخوذا بتقى الرجل، وبحسن سمعته وبرصانته وبجهورية صوته، وكان بعض رفاقه يوافقه ساخرا والبعض يبكته حانقا، ولم يكن بينهم من مخدوع غيره على ما ظهر، ولكن الراوي يؤكد: إن اشتداد المناقشة كشف عن أن هذا المشدوه كان أخبثهم، وكان يحاول أن يخدع رفاقه، حتى يتهيبوا الرجل فلا يطمعوا فيه، ليحتكر وحده نفوذ الأستاذ في مصالحه، إن هؤلاء الرفاق كانوا جميعا من رجال الأعمال، وقد أثروا عن طريق تملق رجال الدولة وأتباعهم وبإفسادهم، فهم يعرفون كيف تؤكل الكتف، وقد أسر كل من هؤلاء في نفسه خطة يستغل بها نفوذ ذلك الأستاذ الجليل عند سنوح الفرص.
ولم يكن رجل الزاوية أقل خبثا من المشدوه، فإنه ما كاد ينفرد برفاقه في الزقاق الثاني حتى قهقه طويلا قهقهات مختلفة الجرس، أتبعها بقوله: أتعرفون قصة الحق مع الباطل؟ فقالوا: وهل للحق مع الباطل قصة؟ فأجاب: نعم، هي قصة لا يفتأ الناس يشقون بتمثيل أدوارها المفجعة ما داموا في غفلتهم تائهين، وفي ضلالهم يعمهون، فاسمعوا إذا كانت لكم آذان البشر: كان الحق تائها في البيداء، فخطر له أن يقصد مدينة من المدن العامرة عله يستقر فيها، فامتطى حصانه الأبيض، وهو حصان مضمر لا شبيه له في الخيل قوة ونشاطا وجمالا، وبينما كان في الطريق صادف إنسانا أغبر أشعث ذا طمرين، يوشك الضعف أن يقعده، ويكاد البؤس أن يتمثل به، فرق قلب الحق لذلك الرجل العاجز الذليل المسكين، فسأله عن الجهة التي يقصدها، فإذا هي المدينة ذاتها التي يتجه إليها الحق، فنزل عن حصانه وساعد الرجل على امتطائه شارطا عليه، ولم يبق للوصول إلى المدينة سوى ساعتين، أن يركب ساعة واحدة، يترك بعدها الحصان لصاحبه، فشكره الرجل ووعده بإنجاز ما اشترط.