تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعدا هاتين المدينتين كانت توجد مدينة ثالثة يقال لها بيامون “Piamoun”

وقد ذكر أميلينو “Amélineau”

في كتابه (جغرافية مصر في عهد القبط) أثناء الكلام على بيامون أن الذي صان اسم هذه القرية من الاندثار هو مخطوط الفاتيكان الذي ذكرت فيه قصة نقل جثث تسعة وأربعين شيخا هرما ذبحهم البربر في برية شيهات. والظاهر أن جثث هؤلاء القديسين كانت مدفونة في مغار بجوار بيامون حيث كان يوجد برج كبير ترابط فيه طائفة من الجند مكلفة بحراسة الذين يأتون للبحث عن النطرون وحمايتهم من غارات البربر. وأضاف أميلينو إلي ذلك وهو جازم بصحة ما سبق ذكره أن بيامون كانت قائمة في الصحراء على مسافة قريبة من دير القديس مقار. وهذا شيء واضح لأنه عند مباشرة نقل جثث هؤلاء القديسين التسعة والاربعين لا بد أن يكون ذلك قد تم في أقرب الاديرة من المغار الذي دفنت فيه هذه الجثث وهو دير القديس مقار.

وهذه المدائن الثلاث وهي «سياتيس» و«نيتريا» و«بيامون» لا بد أن تكون أطلالها هي التي ذكرها أبو عبيد البكري أحد مؤلفي العرب؛ وسيأتي ذكره فيما بعد. ولا يوجد في أيامنا هذه أي أثر ظاهر يمكن أن يستدل به علي مواضعها.

أما برية شيهات فقد روى أميلينو في أثناء الكلام عنها أن أول ماظهر اسمها كان في كتاب (سيرة حياة القديس مقار الكبير). وأما موقعها من نيتريا فيمكننا أن نعينه بالطريقة الآتية:

قد ذكر في قصص حياة القديسين الذين شيدوا الأديرة المعروفة لنا أماكنها الآن سواء أكان ذلك بسبب بقاء أبنيتها قائمة إلى الآن أم بسبب بقاء أطلالها، أن هؤلاء القديسين قضوا مدة حياتهم في برية شيهات. وأن الاديرة المسماة بأسمائهم شيدت في الأماكن التي كانوا يقطنون بها. وأن جميع هذه الأديرة الحالية وخرائب الأديرة التي نراها اليوم قائمة على أرض المنطقة التي تسمى برية شيهات. وعلى ذلك نرى أن منطقة نيتريا كانت حتما قائمة بذاتها على انفراد في قسم الوادي الواقعة فيه البحيرات وحقل النطرون.

وقد سمى القبط والعرب وادي النطرون الحالي بالاسماء الآتية وهي: «برية الاسقيط» و«برية شيهات»، ومعنى شيهات (ميزان القلوب)، و«وادي الرهبان» و«وادي الملوك» و«وادي هبيب». والاسمان الأولان وضعا في الحقيقة لبرية شيهات دون سواها. والثلاثة الأخر وضعت لنيتريا حيث كان يقيم فيها أيضا طائفة من الرهبان هجروها بالتدريج فيما بعد ليحتشدوا في الاديرة الحالية.

وهذه الهجرة كانت بلا مراء السبب في الخلط الذي حدث بين الناحيتين المذكورتين وعزو جميع هذه الأسماء إلى الوادي الذي يحتويهما. (4) حاصلاته

إن الحاصلات التي يتكون منها إيراد وادي النطرون هي: (1)

النطرون. (2)

الملح. (3)

نبات الحلفاء الذي تصنع منه الحصر.

وأهم هذه الحاصلات الثلاثة هو النطرون. غير أننا لا نعلم الطريقة التي كان يستعملها الأقدمون للانتفاع به. وكان يوجد بوادي النطرون في الأزمان الغابرة مصانع للزجاج ولكن لا يوجد لها أثر في الوقت الحاضر. (5) ما قاله مؤلفو العرب عن هذا الوادي وحاصلاته

واليك ما كتبه مؤلفو العرب وغيرهم بصدد هذا الوادي: قال ابن مماتي المتوفي سنة 606ه (1229م) في كتابه (قوانين الدواوين) ص 24 مانصه:

النطرون يوجد في معدنين بالديار المصرية أحدهما في البر الغربي ظاهر ناحية يقال لها الطرانة بينه وبينها نهار وهو صنفان أحمر وأخضر. والآخر بالفاقوسية وليس يلحق في الجودة بالأول وهو محظور محدود لا سبيل إلى أن يتصرف فيه غير مستخدمي الديوان. والنفقة علي كل قنطار منه درهمان. ويبلغ ثمن القنطار لموضع الحاجة إليه سبعين درهما وأكثر من ذلك. والعادة المستقرة فيه الآن أنه متى أنفق الديوان على المستخدمين من أجرة حمولة عشرة آلاف قنطار التزموا حمل خمسة عشر الف قنطار والزيادة فيه نصف قنطار. وتؤخذ خطوط المستخدمين بالتزام ذلك. والذي تدعو الحاجه اليه في كل سنة من صنفه ثلاثون الف قنطار ويلزم الضمنا تسلمه من ناحية الطرانة ليسلم الديوان من نقص وزنه وخطر غرقه. وهذا المعنى وإن كان فيه حوطة للديوان فهو يؤدي إلي تأخير الأقساط عند الضمنا. لأن من عادتهم أنهم متى لم يقبضوا نطرونا لم يلزمهم عنه ثمن. فهم أبدا يؤخرون قبض جميع ما لهم فيه أو اكثره ليجدوا ما يحتجون به. ولا يغرمون من صنفه ما يبتاعونه فلتا من العربان لعجز النواب عن ضبط الوادي وحفظه منهم فيحصلون على فائدة الضمنا وكسر مال الديوان. وليس للضمنا من المتعيشين في الغزل ما يبتاع شيء منه. وانما المبيضون وأصحاب التنانير يحتاجون اليه ولا يجدونه إلا عندهم فتلجئهم الضرورة إلى ابتياعه منهم بالسعر المقدم ذكره على ما ينفق من غير زيادة فيه. وهذا الباب مصروف ماله أو أكثره في نفقات الغزاة وقواد الاسطول. ومما يتضرر الضمنا منه بيع صنف يقال له الشوكس لأن المبيضين يستغنون به في بعض أشغالهم وجرت عادة النواب عن الديوان بالمنع من ذلك ومكاتبة الولاة بالتحذير منه. وللنطرون ضرائب مختلفة. فهو في مصر بالمصري. وفي بحر الشرق والغرب بالجروي وكذلك في الصعيد. وفي دمياط بالتنيسى. ا.ه.

وادي النطرون: ورُهبانه وأديرته ومختصر تاريخ البطاركة · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وادي النطرون: ورُهبانه وأديرته ومختصر تاريخ البطاركةص ٣