غير أنه مع تداول الايام انتهى الامر بأن تغلب المصريون عليهم وضموا إلى مصر الجزء التابع الآن لها من صحراء لوبية.
ولرب سائل يسأل في أي عصر استحوذ المصريون على وادي النطرون؟
فتقول إن الجواب على ذلك عسير لأن التاريخ أغفل عن ذلك. وعلى أي حال فان هذا الامر لم يتم قبل القرن الثاني عشر قبل الميلاد. والذي حدا بنا إلى هذا القول هو أن رمسيس الثالث أول فراعنة الاسرة العشرين رد غارة من غارات اللوبيين على الوجه البحري عام 1170ق.م وهزمهم فيها شر هزيمة. وهذا آخر ما ذكره التاريخ من الحروب التي دارت بين الفريقين.
ولابد أن وادي النطرون كان كورة قائمة بذاتها وقسما اداريا من أقسام البلاد في عهد حكم الفراعنة. ولكنا لا نعلم من تاريخه في عهد حكمهم شيئا. ويؤخذ من النقوش التي على جدران معبد أدفو أن هذا الوادي كان يسمى في عهد البطالسة «سخت همام
Sekhel Hemam » ومعنى ذلك «حقل الملح». ويؤخذ مما دونه استرابون في كتابه (ج 17 - الفصل الاول - الفقرة 23) بعد أن زار مصر في القرن الاول الميلادي أن هذا الوادي كان يقال له إقليم النطرون وأنه يوجد به منبعان يستخرج منهما مقادير كبيرة من ملح البارود (النطرون). وأن سارابيس
Sarapis
إله مصر فى عهد البطالسة والرومان كان معبودا في هذا الوادي كما كانت الشاة فيه دون غيره تقدم قربانا لهذا الاله. (3) بحث وتحقيق عن ثلاث مدن
ومما لا جدال فيه أن استرابون يعني بهذا المنطقة المعروفة الآن بوادي النطرون واسمها الحالي دليل على ذلك. وهذه المنطقة تشمل جزءا من برية شيهات “Scété”
الشهيرة التي بلغت شهرتها مبلغا كبيرا في جغرافية مصر من ابتداء القرن الرابع الميلادي. وقد اكتسبت هذه الشهرة من سيرة الرهبان الذين استوطنوها واتخذوها مقرا لنسكهم وعبادتهم في عهود القديس مقار وخلفائه وسيأتي الكلام عنهم في محله. أما الآن فيحسن بنا تحقيق ما يأتي:
روى شامبليون في مؤلفه «مصر فى عهد الفراعنة - ج 2 ص 295» أن بطليموس أحد العلماء الجغرافيين في القرن الثاني الميلادي ذكر منطقة من لوبية المصرية باسم سيتياكا ريجيو
Scythiaca Regio
وعين موقعها في جنوب بحيرة مريوط. ويرى شامبليون أن هذه المنطقة نظرا لاتساعها وامتدادها لايمكن أن تكون برية شيهات المعروفة فى عهد القبط والعرب. وأنها تنطبق حتما على الصحراء الكبيرة الواقع فيها بحيرات النطرون.
ونحن نرى أن هذا الرأى مصيب وأنه الحقيقة بعينها لأن شامبليون ذكر بعد ذلك بالصفحة (298) من كتابه السابق أن بطليموس وضع فى المنطقة عينها مدينة صغيرة تسمى سياتيس
Scyathis . ومن المسلم به أن المدن صغيرة أو كبيرة لايمكن أن توجد إلا في منطقة صالحة للسكنى. وأن أهم شرط للسكنى هو وجود الماء. وحيث أنه لا يوجد فى سائر أرجاء هذه الناحية الماء إلا في وادي النطرون وينعدم بالكلية من الجهات المحيطة به لهذا استقر بنا الرأى على أن مدينة سياتيس المذكورة كانت في وادي النطرون بلا مراء.
وذكر شامبليون أيضا نقلا عن سان جيروم “Saint Jérôm” . من أهل القرن الرابع الميلادي أنه كان يوجد في تلك المنطقة مدينة أخرى يقال لها «نيتريا
Nitrie » وأضاف إلى ذلك أنه لا شك فى أنها كانت تسمى بلغة المصريين القدماء فايبهوسيم “Phapihosem”
أي مدينة النطرون، وأما اسم نيتريا فلم يكن إلا ترجمة للكلمة المذكورة. ويحتمل أنهم كانوا يودعون بها النطرون الذي كانوا يستخرجونه من البحيرات ليرسلوه بعد ذلك إلي تيرينوتيس “Térénoutis” «الطرانة “Tarrana” » ومنها إلي الجهات الاخرى من الديار المصرية كما هو جار في أيامنا هذه.
ولاحاجة إلى البحث والتنقيب كثيرا لمعرفة المنطقة التي كانت توجد بها هذه المدينة إذ أنها كما يدل على ذلك اسمها كانت بلا شك في وادي النطرون.