مررنا على بعضها في الصحبة الشريفة الناصرية وهي في رمال منقطعة وسباخ مالحة وبرار معطشة وقفار مهلكة. وشرب سكانها من جفارات لهم وهو في غاية من قشف العيش وشظف القوت.
ويحمل النصارى اليهم جلائل النذور والقرابين وتخصهم بكرائم التحف. ويتخذ كتبة القبط وخدم السلطان منهم خاصة أيادي معهم ليكونوا لهم ملجأ من الدولة اذا جارت عليهم صروفها.
ولم أعلم فيها أخبارا فأذكرها ولا أشعارا فأطرف بها وانما ذكرتها لشهرة اسمها وبعد صيتها. ا.ه.
وقد شاهد ابن فضل الله العمري هذه الأديرة ودون عنها هذه المعلومات في أثناء رحلة قام بها إلى وادي النطرون بمعية السلطان الناصر محمد بن قلاوون الذي حكم مصر ثلاث دفعات متقطعة. ولما كانت اطولها هي الأخيرة حيث استمرت من سنة 709 إلى 741ه «1309-1341م» فمن المرجح كثيرا أن هذه الزيارة كانت في خلالها.
ومما يؤسف له أن هذا العالم الجغرافي ذكر لنا عدد هذه الأديرة بدون أسماء ولكن نظرا لأن المعلومات التي ذكرها هي عن المدة المذكورة نفسها فأسماء هذه الاديرة السبعة هي بعينها التي ذكرت قبلا.
وجاء في كتاب (تحفة السائلين في أديرة رهبان المصريين) الآنف الذكر ص 137 و138 ما نصه:
في خبر أنبا غبريال 86 (عام 1370-1378م) قبل ما ملخصه أنه (1)
في يوم الثلاثاء ثالث عيد القيامة المجيد 9 برموده سنة 1090 ش (المزافقة 1374 افرنكية) بعد نهاية عمل الميرون. ركب من دير ابي مقار هو والأساقفة ومن معهم وذهب لزيارة دير أبي يحنس. وخرج للقائه رهبان الدير المذكور ورهبان الحبش ورهبان الأرمن. ثم دخل إلى الدير وصلى صلاة التاسعة. ويوم الأربعاء بعد فراغ الكنيسة زار بنوب والحبش والأرمن. (2)
وركب إلى دير أنبا بشيه (أي أنبا بشوي) فتلقاه رهبانه والسريان والحبش والأرمن كالعادة ودخل دير أنبا بشيه وصلى فيه السادسة. (3)
وركب منه متوجها إلى دير برموس فتلقاه رهبان الدير المذكور ورهبان دير سيدة برموس كالعادة. ودخل إلى دير برموس وصلى فيه التاسعة. ورفع البخور وخدم الصلاة ناظمها (يعني مؤلف الخبر الأسقف اتناسيوس القوصي). (4)
وخرج من دير برموس وتوجه إلى دير سيدة برموس وصلى صلاة الغروب. (5)
وفي يوم الخميس بعد فراغ الكنيسة ركب هو والأساقفة وجاء إلى دير السريان فتلقاه رهبان دير أنبا بشيه ورهبان السريان كالعادة. ودخل كنيسة السريان وصلى السادسة. (6)
وبعد ذلك ركب منه هو والأساقفة وجاء إلى دير أبي كاما (أي أبي يحنس كاما) فتلقاه رهبان الدير المذكور والحبش والأرمن. ودخل إلى دير أبي كاما وصلى التاسعة. (7)
وبعد ذلك ركب هو والأساقفة ورجع إلى دير أبى مقار. ومنه سافر راكبا إلى محل سكناه بكنيسة المعلقة في مصر. ا.ه.
ويستفاد من هذه الرواية أن عدد الأديرة في هذا العهد كان عشرة وهي: (1)
دير القديس مقار. (2)
دير القديس يوحنا القصير. (3)
دير الأنبا نوب. (4)
دير الحبش (5)
دير الأرمن. (6)
دير الأنبا بشوي. (7)
دير البراموس . (8)
دير السيدة براموس. (9)
دير السوريان. (10)
دير القديس يوحنا الأسود.
والآن نذكر ما قاله المقريزي المتوفي سنة 845ه (1441م). فقد وصف هذا المؤلف الأديرة التي كانت في عصره بالجزء الثاني من خططه طبعه بولاق ص 508 و509 فقال:
أما وادي هبيب وهو وادي النطرون ويعرف ببرية شيهات وببرية الأسقيط وبميزان القلوب فانه كان بها في القديم مائة دير. ثم صارت سبعة ممتدة غربا على جانب البرية القاطعة بين بلاد البحيرة والفيوم. وهي في رمال منقطعة وسباخ مالحة وبرار منقطعة معطشة وقفار مهلكة. وشراب أهلها من حفائر وتحمل النصارى اليهم النذور والقرابين. وقد تلاشت في هذا الوقت بعد ما ذكر مؤرخ النصارى أنه خرج إلى عمرو بن العاص من هذه الأديرة سبعون الف راهب بيد كل واحد عكاز فسلموا عليه وانه كتب لهم كتابا هو عندهم.