ثم أورد الكاتب حديثاً آخر يقول:
"أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ?: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه؟ فإن لي غلاماً نجاراً. قال: "إن شئتِ ". فعملت له المنبر" (صفحة 89).
ما علمتُ في كل ما قرأت أو سمعت أن أحداً أخطأ في الاستدلال مثل هذا الخطأ! لقد جعل الكاتب من هذه المرأة نجّارة تمارس عمل النجارة بيديها، و ما هي إلا امرأة ملكت فتى، أي: عبداً مملوكاً لها، و شاءت الأقدار أن يكون هذا الفتى يتقن النجارة.
فلم تدَّع المرأة أنها ستقوم بصنع الكرسي بيديها أو أنها ستشارك في صُنْعه، بل بيَّنت بكل بساطة أن العبد الذي عندها يتقن النِّجارة، و هو الذي سيقوم بالعمل، و ما هي إلا سيدة له تملكه فتأمره بما تريد، و لا يملك الفتى إلا الطاعة.
و كلنا يعلم حرفة النجارة، و ما تحتاجه من قوة عضلية حتى في أيامنا هذه، إذ حلّت الآلات و الأزرار مكان العضلات، و رغم هذا لا تزال هذه الحرفة حصراً في الرجال، فمن ذا يصدق أن امرأة كانت تقوم بأعمال النجارة منذ أربعة عشر قرناً! ... و أين؟ في صحراء الجزيرة العربية!!
و إليكم الدليل على ما أقول في هذا الحديث الشريف الذي لا أشك في أن الكاتب قد قرأه أو سمعه مراراً و تكراراً:
عن أبي حازم بن دينار: أ ن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد امتروا في المنبر مم عوده، فسألوه عن ذلك، فقال: والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وُضِع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ?، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة، امرأة قد سماها سهل: "مُري غلامك النجار، أن يعمل لي أعوادا، أجلس عليهن إذا كلمت الناس". فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بها فوضعت ها هنا، ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليها وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: "أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي".
رواه البخاري و مسلم و النسائي و أبو داود و الإمام أحمد و غيرهم
فكما ترون لم يكن لهذه الصحابية (النجّارة!!) من جهد في هذا الأمر سوى أن أمرت غلامها بكلمات، و هذا عمل يمكن لأي إنسان أن يقوم به رجلاً كان أو أنثى، صغيرة أو كبيرة، طالما أنها تستطيع الكلام، و إن الأمر بصنع الأعواد، مثل غيره من الأوامر، و لا يختلف عن قول السيدة لغلامها: اذهب و أحضر الماء من البئر. ... و لكن ما