انطلق محيّصة وأخوه حُويّصة – وحويّصة أكبر الاثنين – ومعهما عبد الرحمن بن سهل أخو القتيل يشتكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلبون الثأر والقصاص، وظنّ عبد الرحمن أنه أولى بالحديث لأنه أخو القتيل، فلما بدأه في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم والأخوان حويّصة ومحيّصة معه قال له النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه احترام الكبير وتوقيره ووجوب تقديمه: " كبّر، كبّر " .. ، فسكت، وتكلم حويّصة ومحيّصة.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أُراني أتسوّك بسواك، فجاءني رجلان أحدُهما أكبر من الآخر، فناولتُ السواكَ الأصغرَ، فقيل لي: كبّرْ، فدفعته إلى الأكبر منهما " وللإنسان أن يعطي الهدية من يشاء، لكنّ احترام الكبير وتوقيره مطلوب، فكان تقديمه أولى.
وكان الحبيب المعلّم صلى الله عليه وسلم يقول منبهاً إلى إكرام الكبير " إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم ". فمن إكرامه التأدب في الحديث معه، وخفض الصوت أمامه، والنظر إليه بمحبة ولطف، وإجلاسه في مكان يستحقه، وتقديمه في حضرة الآخرين وعدم تعدّيه، ومناداته بكلمة تنبئ عن تقدير (العم، أبا فلان .... ).
ألم نحفظ عنه صلى الله عليه وسلم قوله الرائع المضيء في عالم التربية والأدب " ليس منّا مَن لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرفَ كبيرنا " ولا حظ معي كلمة " ليس منّا " فهي تنبيه وتحذير من جهة، وحضٌ وتحفيز من جهة أخرى.
وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته الطاهرة الكثير من المواقف التربوية التي تعلمنا الأدب مع الكبير ومراعاة مكانته وتقديره.