وكيف ينهى أبا هريرة عن الحديث ، وعمر رضي الله عنه أحد المكثرين نوعاً ما ، فبالنسبة للخلفاء الراشدين ، فهو وعلي رضي الله عنهما يعتبران من المكثرين حيث روى كل منهما ما يقارب خمسمائة حديث ، وكذلك ما ذُكر عن علي رضي الله عنه فهو من الكذب .
تدليس أبي هريرة رضي الله عنه : وما نُقل عن شعبة رحمه الله قوله : ( أبو هريرة مدلس )
فنقول :
1 - التدليس : هو أن يحدث عمن سمع منه ما لم يسمع منه بصيغة تحتمل السماع .
مثال ذلك : أن يأتي أبو هريرة رضي الله عنه الذي نعلم أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا حديثاً ، فيروي لنا حديثاً سمعه من صحابي آخر كأبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو أبي عبيدة أو غيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول أبو هريرة : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . دون أن يقول : حدثني أبو بكر مثلاً ، أو حدثني عمر . . . إلخ . وهو إنما سمع الحديث من ذلك الصحابي الآخر .
فقول أبي هريرة رضي الله عنه : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بهذه الصيغة يحتمل أنه سمع الحديث منه صلى الله عليه وسلم مباشرة ، ويحتمل أنه سمعه من غيره صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو ما يُعرف بالتدليس .
2 - وهذا كثير عند الصحابة رضي الله عنهم ، وهو يُعرف عنهم بـ ( الإرسال ) لا ( التدليس ) ، كما قال الذهبي رحمه الله :
وهذا كثير عن صغار الصحابة : كعائشة ، وجابر ، وابن الزبير ، وأنس رضي الله عنهم وأرضاهم .
3 - أن هذا لا عيب فيه ؛ فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم ، والصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول ، فإذا أسقط الصحابي صحابياً آخر فإنما أسقط ثقة مثله وهذا لا يضر (1)
(1) - انظر : سير أعلام النبلاء 2 / 608 ، ومقدمة صحيح ابن حبان 1 / 122 .
قلت : ومن أمثلة ذلك حديث عائشة رضي الله عنها في قصة بدء الوحي ، فهي لم تدرك الحادثة ، وكذلك حادثة أبي سفيان مع هرقل والتي كانت بعد الحديبية ، رواها ابن عباس رضي الله عنهما وهو لم يحضر الحديبية وكان له من العمر تسع سنوات .