عالم من علماء هذا العصر.
كان خاصّة الشيخ الذين يأنس بهم ويكثر الاجتماع بهم قِلّة يعدون على الأصابع، من أبرزهم الشيخ محمد حسين نصيف (ت 1392) وكان بينهما حبّ أكيد وتواصل مستمر، وكان الشيخ المعلمي يجلّه غاية الإجلال فهو يدأب في مكاتباته له بنعته بعدّة نعوت لا يفارقها "حضرة السيد الكريم المحسن العظيم صاحب الفضيلة الشيخ محمد نصيف".
ومنهم الشيخ سليمان الصنيع (ت 1389) مدير مكتبة الحرم المكي الشريف وعضو مجلس الشورى، كان الشيخ كثير الذكر له في مقدمات كتبه ويصفه بـ "الصديق العزيز الناقد البحّاثة" وقال: "وهو مَن أولى العناية البالغة بكتب الرجال وتحقيق الأسانيد" (1).
وكان للشيخ الصنيع عادة بجمع بعض الفضلاء والعلماء يوم الجمعة للغداء، ومنهم الشيخ المعلمي، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة، والشيخ صالح بن عثيمين، والشيخ الحرْكان (2).
وبقي الشيخ رحمه الله ممتّعًا بعزيمة قوية وجَلَدٍ على البحث والتنقيب والتحقيق مع كِبر سنه وضعف قوّته، وشاهد ذلك أن الأجزاء الأخيرة من تحقيقه للأنساب والإكمال إنما طبعت بعد وفاته بأشهر، مما يعني أن الانتهاء منها كان قبل وفاته بأشهر قليلة، ولعل في تلك التعليقة الطويلة الشهيرة في "الإكمال": (6/ 322 - 331) لابن ماكولا ما يكشف عن هذا
تعقَّبه الخطيب (1) فقال: "روى الكوفيون أحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن ابن جابر، وَهِمُوا في ذلك، فالحمل عليهم، ولم يكن ابن تميم ثقة" اهـ.
وفي "الميزان" (2): لم أر أحدًا ذكره في الضعفاء غير أبي عبد الله البخاري، فإنه ذكره في الكتاب الكبير في الضعفاء, فما ذكر شيئًا يدل على ضعفه أصلاً ... إلخ.
[ص 81] وفيه القاسم بن مُخَيمرة عن أبي سعيد.
****
حال القاسم بن مُخَيمرة
في "تهذيب التهذيب" (3) - أول ترجمته -: روى عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة ... إلخ.
ثم ذكر عن يحيى بن معين أنه قال: لم نسمع أنه سمع من أحد من الصحابة.
وقال في آخر ترجمته: قال ابن حبان: سأل عائشة عما يلبس المحرم. اهـ.
أقول: لم أجد فرصةً لتفتيش كتب الحديث لتحقيق سماع القاسم من
صرَّح كلٌّ منهما بالسماع، بحيث انتفى احتمال التدليس، وصرح سليمان بقوله: "أخبرني جابر"، ويبعد كلَّ البعد أن يكون ههنا سهو من النسَّاخ في السندين المتتابعين معًا، فلم يبق إلا أحد احتمالين:
إما أن يكون صَدَق في أن جابرًا أخبره، وإما أن يكون كذب.
وقد ثبت أن الرجل صدوق، وهو أعلم بنفسه من ابن معين وغيره. ولم ندرِ علامَ بني ابنُ معينٍ حكمَه، فتمسَّكْنا بما صح من سماع سليمان عن جابر، وقد أدرك من حياة جابر مدةً طويلة.
هذا، مع علمنا بأن ثبوت سماعه من جابر لا يفيد صحة حديثه في شأن القبور [ص 112] ما دامت عنعنة ابن جريج قاطعة الطريق، إلا أن توجد رواية مصرحة بسماع ابن جريج منه لهذا الحديث.
فأما تصريح سليمان بالسماع، فلا ضرورة إليه، إذ قد صحّ سماعُه من جابر، وليس بمدلّس.
على أن مجرد إمكان لقيه لجابر كافٍ في حمل عنعنته على السماع، على ما اختاره مسلم، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى، في تحقيق حال القاسم بن مخيمرة (1).
...
فإن قيل: فقد أدركنا بعض الصفات، مثل أنه سبحانه قادر عليم حكيم، فما المانع من أن يقال لمنكر البعث مثلاً: أتؤمن بالله؟ فيقول: نعم. فيقال له: كيف هو؟ أقادر أم عاجز؟
قلت: هذا السؤال لا يليق بهذا الباب، وحسبك أن تقول: "أليس بقادر"! ونحو ذلك.
والمقصود هنا إنما هو تنبيهك على أن منع الكيف لا يستلزم نفيه، وأن نفيه قد لا يستلزم نفي الصفة، فإن استلزم ذلك فهو - أعني نفي الكيف - باطل. فافهم.
[ص 48] المسألة الثالثة: أين؟
لو أخبر إنسان بوجود موجود، فقيل له: أين هو؟ فقال: في بلد كذا، أو: في البحر، أو: في الهواء، أو: في السماء، أو: فوق السماء، أو: فوق كل شيء حيث لا يكون فوقه شيء يُحَسّ، لكان في مُتعارَفِ الناس قد أجاب عن السؤال، فقَصْرُ المكان على ما دون الأخير اصطلاح موجبٌ للمُغَالطة، فليتنبَّه له.
ثم اعلم أن النُّظَّار بعد أن اتفقوا على أن الله تبارك وتعالى موجود قائم بذاته اختلفوا، فقال أكثرهم: ليس هو في مكان، فلا هو فوق ولا تحت، ولا خارج العالم ولا داخله.
وقال آخرون: إنه لا يعقل موجود بهذه الصفة، بل ما كان كذلك (1) فهو
القبلة وقضاء الحاجة
(1) انظر "المقدمات" (ص 8، 10، 195، 201، 253، 257).
(2) ذكره لي تلميذاه عبد الكريم الخراشي، ومحمد بن عبد الرحمن المعلمي.
(1) في "تاريخ بغداد": (10/ 212).
(2) (3/ 312 - 313).
(3) (8/ 327).
(1) (ص 94 وما بعدها).
(1) الأصل: "ذلك".