رسوخي هنا فستُقْضى جميع المطالب على ما يرام إن شاء الله تعالى، ومن الآن إن شاء الله تعالى ستتصل المكاتبة بقدر الإمكان".
وفي العام الذي يليه في ذي القعدة 1374 كتب نفس المعنى لكن يبدو أن الأمور تحسنت أفضل من سابقتها فقد كتب إليه يقول: "مضت مدة لم يكتب فيها أحدنا إلى الآخر، وليس لي عذر إلاّ أن أحوالي هنا لم تنتظم انتظامًا يمكنني مما أحب، فأما أنت: فأنا عارف بعذرك، وعسى الله تعالى أن يهيئ الأمور وييسر كل معسور بفضله وكرمه".
وفي التاسع من رجب 1375 بعد مضي أربع سنوات على قدومه انفرجت الأمور ويبدو ذلك في رسالته المؤرخة في ذلك التاريخ قال: "ثم تحسَّنت الحال أخيرًا إلي حدٍّ ما، وشَرعتُ أفكر في ترتيب الأمور الأقرب فالأقرب، أسأل الله تعالى التيسير والتوفيق".
وفي رسالة له مؤرخة في 28 شعبان 1375 شرح مراده بتحسن الحال فقال: "أما تحسّن حالي فلله الحمد، ولم تكن قبل ذلك حالي سيئة، لكن الإنسان ما دام حيًّا لا يخلو من مطالب إذا قَصُرت يده عنها عدّ حالَه سيئة، مع أنه إذا بسطت يده امتدت عينُه إلى مطالب أخرى وهلمّ جرّا. وأنا الآن في صدد تأمين أهم المطالب".
وفي 26 شعبان سنة 1377 قدم ابنه عبد الله من باكستان إلى المملكة بعد تعب كثير في طلبه إلى هنا، وحصول الإذن له بالإقامة. ولم يمض وقت طويل حتى تحصّل ابنه على خدمة (وظيفة) في جدة بعد استئذان أبيه في ذلك وموافقته له.
تنبيه:
أما النهي عن التجصيص والبناء والجلوس؛ فقد ثبت فيها سماع ابن جريج من أبي الزبير، وسماع أبي الزبير من جابر، فهي صحيحة.
وأما النهي عن الكتابة والزيادة، فلم ترد إلا في روايات معنعنة، أو في روايات ابن جريج عن سليمان بن موسى، بدون تصريح ابن جريج بالسماع من سليمان، ولا تصريح سليمان بالسماع من جابر - إن كان أدركه -.
بل في حديث الإِمام أحمد ما يدلُّ أن سليمان روى الحديث بواسطة عن جابر، كما مر.
ثم إن زيادة النهي عن الزيادة لها علل غير هذه:
منها: أنها من رواية حفص بن غياث، وحفصٌ ساء حفظه بعد ما استُقْضي، وذكروا أنه لا يحتجّ من حديثه إلا بما حدَّث به من كتابه، وروايته التي عند مسلم ليس فيها هذه الزيادة، وقد قيل: إن صاحبي الصحيح إنما يخرجان له ما حدث به من كتابه.
ومنها: انفراده بهذه الزيادة، دون سائر من روى الحديث عن ابن جريج.
لكن في "كنز العمال" (1): عن جابر ما لفظه: نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن تُجَصَّص القبور، وأن يُجْعَل عليها (2) من غير حُفْرتها". (ابن النجار). (لا أدري ما صحته).
[ص 108] تحقيق حال سليمان بن موسى (1)
قال البخاري: عنده مناكير.
النسائي: ليس بالقوي.
أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب.
أما عبارة البخاري؛ فهو وإن قال: "كل من قلت فيه: منكر الحديث، لا يحتج به"، وفي لفظ: "لا تحل الرواية عنه" اهـ "فتح المغيث" (2) (ص 163) = ففرقٌ بين "منكر الحديث" و"عنده مناكير".
قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": "قولهم: "روى مناكير" لا يقتضي بمجرَّده ترك روايته، حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه: "منكر الحديث"؛ لأن "منكر الحديث" وصفٌ في الرجل يستحق به الترك لحديثه. والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة، كيف وقد قال أحمد بن حنبل في محمَّد بن إبراهيم التيمي: "يروي أحاديث منكرة"، وهو ممن اتفق عليه الشيخان، وإليه المرجع في حديث "الأعمال بالنيّات" اهـ. "فتح المغيث" (3) (ص 163).
أقول: وإنما يُجْرَح بالمناكير إذا كان الرواة عن الرجل ثقات أثبات (4)،
ثم ذكر الله تبارك [وتعالى]: جوابَ موسى عليه السلام: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا (1) وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 20 - 21]. هذا جوابٌ عن الأمر الثاني، يقول: إن [ص 46] لزمني نقص بقتل النفس فإنما كان ذلك قبل الرسالة، وأما البشرية فإنها ليست مانعة من فضل الله، وقد تفضَّل عليَّ.
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 22]. هذا جوابٌ عن الأمر الأول، وعن كفر النعمة من الأمر الثاني، أي: أيُّ مَنًّ لك على إنسان ربيته وعبَّدتَ قومَه تقتل أبناءهم وتستحيي نساءهم؟!
فعَدَل فرعونُ إلى سؤال آخر يحاول به أن يُرِي قومه أن موسى عليه السلام كاذبٌ في دعواه الرسالة: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 23] , يريد: أن الرسول مِنْ شأنه أن يكون قد حضر عند مُرْسِلِه وشاهدَه وعَرَفه، فقل لنا: ما هو؟
يحاول أن يقول موسى: لا أدري ما هو، أو: ليس لبشر أن يدري، أو نحو ذلك. فيقول: فلست برسول إذن.
﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: 24]. هذا من النوع الذي يسميه البيانيون: الأسلوب الحكيم، وهو إجابة السائل بخلاف ما يترقب؛ لنُكْتة. كأنه يقول: ليس من شرط الرسول أن يعرف ذات مرسله، فقد يدعو الملك بعض الأمناء الذين لم يروه قط، فيكلمه من وراء حجاب، أو يبعث إليه ثقة من ثقاته، ويوجهه رسولاً، ولكن كأنك يا فرعون
وقد أشار المؤلف إلى بعض المصادر بذكر الجزء والصفحة، فأبقيتها كما هي في النصّ، وأحلتُ إلى الطبعات المحققة المتداولة في الهامش، وإذا كانت الطبعة التي يذكرها المؤلف هي المعروفة فاكتفيتُ بالإحالة إليها في النصّ، ولم أكرَّرها في الهامش.
ورسائل هذه المجموعة كانت متفرقة، كتبت في فترات مختلفة، ويصعب ترتيبها تاريخيًا، فرتبتها حسب الأبواب الفقهية، فقدَّمتُ منها ما كانت متعلقة بالعبادات، وأتبعتُها بما كانت في المعاملات.
ثم صنعتُ لها فهارس لفظية وعلمية تكشف عمّا فيها من أبحاث وتحقيقات نادرة، وفوائد واستدراكات مهمة، تدلُّ على تفوق العلامة المعلمي على كثير من أهل عصره في علوم الحديث والفقه والرجال.
وفي الختام أدعو الله أن يوفقنا جميعًا لخدمة ديننا ولغتنا، وإخراج دفائن الكنوز من تراثنا، إنه سميع مجيب.
محمَّد عزير شمس
(1) رقم (42919).
(2) في "كنز العمال": "عليها تراب .. ".
(1) له ترجمة في "تهذيب الكمال": (3/ 304)، و"تهذيب التهذيب": (4/ 226)، و"إكمال تهذيب الكمال": (6/ 99)، و"الميزان": (2/ 415).
(2) (2/ 125).
(3) (2/ 126).
(4) كذا، والوجه: "أثباتًا".
(1) الأصل: "حكمًا وعلمًا" سهو.