فهاجس التحوّل لم يزل ملازمًا للشيخ بسبب الاضطرابات السياسية وغلاء المعيشة، وعدم الراحة النفسية، وتوفّر الظروف في البلدان التي كان يخشى أن يتحوّل إليها، وقد كان الشيخ يُرَغَّب في التحوّل إلى مكة من قبل بعض محبيّه من العلماء أو من آل المعلمي ففي رسالة من الشيخ القاضي محمد بن عبد الرحيم المعلمي مؤرخة سنة 1360 يقول مرغِّبًا للشيخ في التحوّل إلى مكة: "وقد حررت هذا من أم القرى مكة المكرمة، بلد آمن وبيت حرام، إذ لو سكنتموه لكان خيرًا لكم، ولعمري أن لو تشرفوا بقدومكم للحج لرأيتم ما يسركم ويقرّ أعينكم ... " (1).
ولا زالت معاناة الشيخ في الهند تأخذ صورًا متعدّدة، فقد وجدنا رسالةً من الشيخ إلى مدير دائرة المعارف العثمانية تفصح عن معاناة الشيخ حين عزم على السفر إلى مكة المكرمة، وحاجته إلي استكمال مصاريف السفر، وأن الدائرة لم توفه حقّه الماليّ، يقول فيها:
"استلمت مراسلتكم نِشَان (2) 922 تاريخ 30 ديسمبر سنة 1951 م، وأنا شاكر جدًا لعالي جناب الصدر وجنابكم، ويسرني أن أخدم هذه الدائرة العلمية الجليلة بلا طلب معاوضة، وسأدوم على ذلك بقية عمري، سواء أكانت الخدمة مقابلة وتصحيحًا أم غيره، وإنما اضطرني الآن إلى طلب المعاوضة على مقابلة وتصحيح الستة الأجزاء الباقية من كتاب "ابن أبي حاتم" حاجتي إلى مصاريف السفر، وهذا السبب نفسه يجبرني أن أرفع إليكم مع الأسف والخجل أن هذا المبلغ الذي
وضبطه، وتَحَرِّيه، وإتقانه.
6 - والظاهر من حاله، وما ثبت لدى جمهور الأئمة من عدالته، أنه تاب عنها في الوقت، وإن كانت إنما جرت على لسانه بدون شعور.
ويلوح لي أن بعض أعدائه، بل أعداء الدين دسوا إليه ذلك السائل ليرصده، حتى إذا كان شعبة عنده جاء فأغضبه، ابتغاء أن يسبق لسانه بكلمة ينقمها عليه شعبة، وقد كان كذلك.
ولكن حيلتهم لم تطفئ نورَ الله في صدر أبي الزبير، فاعتمده جمهور الأئمة الأعلام، واحتجوا به.
[ص 75] توثيق الأئمة له نقلاً عن كتب الفن:
ابن المديني: ثقة ثبت.
ابن عون: ليس أبو الزبير بدون عطاء بن أبي رباح.
يعلي بن عطاء: كان أكمل الناس عقلاً وأحفظهم.
عطاء: كنا نكون عند جابر فيحدثنا، فإذا خرجنا تذاكرنا، فكان أبو الزبير أحفظنا.
ابن معين والنسائي وغيرهما: ثقة.
ابن عدي: هو في نفسه ثقة، إلا أن يروي عنه بعض الضعفاء, فيكون الضعف من جهتهم.
عثمان الدارمي: قلت ليحيى: فأبو الزبير؟ قال: ثقة. قلت: محمَّد ابن المنكدر أحب إليك، أو أبو الزبير؟ فقال: كلاهما ثقتان.
[ص 100] تحقيق حال أبي الزبير (1)
أما تدليسه فثابت، وقد مرَّ الكلام عليه عقب الروايات (2)، وقد زال المحذور بصحة التصريح بالسماع، كما مرّ.
وأما ما فيه من المقال:
فقال الشافعي: يحتاج إلى دِعامة.
وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا يحتج به.
وأشد الناس عليه شعبة سَيّد المتعنّتين، سئل: لم تركت حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يَزِنُ، ويسترجح في الميزان.
وروي عنه أنه قال: لا يحسن أن يصلي.
وقال: بينا أنا جالسٌ عنده إذ جاء رجلٌ، فسأله عن مسألة، فرد عليه، فافترى عليه، فقلت له: يا أبا الزبير، أتفتري على رجل مسلم؟ قال: إنه أغضبني. قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا حدثت عنك أبدًا.
ووثقه الجمهور، كما سيأتي ذِكْر بعضهم.
وكلمة الشافعي إن لم تكن من أدنى مراتب التعديل، فهي من أخفِّ مراتب الجرح.
وكلمة أبي زرعة وأبي حاتم؛ من المرتبة التي تلي أخف مراتب الجرح.
وهكذا هذا الثاني إن فُرِض أنه مربوبٌ أيضًا.
إذن فالربُّ الحقيقي هو الذي ليس فوقه رب، فهو الله عزَّ وجلَّ، فإن فُرِض أن مِن دونه مدبرًا، فلا يخلو أن يكون عمله إنما هو تنفيذ ما أمره الله عزَّ وجلَّ به، أو يتصرف بهواه وإرادته.
إن كان الأول فهو عبد لا رب، وإن كان الثاني فلا يخلو أن يكون تدبيره بغير إذن الله عزَّ وجلَّ أو بإذنه. الأولُ مُحالٌ كما تقدم في الكلام على إبليس (1)، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون أَذِنَ الله عزَّ وجلَّ له لعلمه أنه لا يفعل إلا ما يحبه الله ويرضاه، أو أَذِنَ له مع علمه بأنه يفعل ما لا يحبه الله ولا يرضاه.
فالأول عبد لا رب، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون الله عزَّ وجلَّ مراقبًا له، فإذا أراد أن يفعل ما لا يحبه الله عزَّ وجلَّ منعه وحالَ بينه وبين الفعل، أو أن يكون مهملًا له، فالأول عبد لا رب، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون تصرفه المُخَلّى بينه وبينه واسعًا بما فيه تدبير الأمور [ص 41] العظيمة، كتسيير الشمس والقمر، وإرسال الرياح، وغير ذلك من الأمور العظيمة، أو يكون جزئيًّا لا يؤدي إلى فساد النظام المُشاهد.
فالأول باطل لما مرَّ في الكلام على إبليس (2)، وأما الثاني فلا يخلو أن يكون الله عزَّ وجلَّ أذن له لغير حكمة أو لحكمة.
الأول باطل؛ إذ قد ثبت بالأدلة التي ثبت بها وجود الرب عزَّ وجلَّ أنه
شطب وإلحاق وزيادات في الهوامش.
تكلم فيه المؤلف على ألفاظ ورقةٍ يُفهم منها الإقرار ومناقضة الإقرار، وذكر أنه إذا نُظر إلى السياق وإلى تسامح العوامّ في ألفاظهم وإلى كيفية الاشتراك بين المقرّ وإخوته = لم تكن تلك الألفاظ ظاهرةً فيما يناقض الإقرار، بل هي محمولة على ما يوافقه.
ثم شرح ما فيها من الألفاظ والعبارات مع الاستناد إلى نصوص الكتب من الفقه الشافعي.
31 - قضية في سكوت المدعى عليه عن الإقرار والإنكار:
توجد مخطوطتها ضمن المجموع رقم [4696] في صفحتين. والقضية هي أن رجلين ادُّعِي عليهما قتلُ شخص عمدًا وعدوانًا، فأجابا أنهما هجما عليه لقصد ضربه لا قتله، وأخذا يضربانه، فاستلَّ سكّينًا من حزام أحدهما، فأمسكا يده، وتجاذبا السكّين، فوقعتْ به طعنةٌ في جانب ظهره الأيسر. وكلٌّ منهما قال: لا أدري ممن الطعنة، ثم قال أحدهما: أنا القاتل، ثم رُوجع الآخر على أن يُقرّ أو يُنكر، فأصرَّ على قوله: لا أدري ممن؟
تكلم المؤلف على هذه القضية في ضوء ما وجده في كتب الفقه الشافعي، وذكر أن كون لفظ "لا أدري" في فعل نفسه يُعتبر إقرارًا غير ظاهر، لأن مبنى الإقرار على اليقين، ولا نظير لها في باب الإقرار يُقاس عليه، ولكنها قد تؤدّي إلى ما هو في حكم الإقرار، بأن يُصرَّ المدَّعى عليه، فيحكم القاضي بأنه كالمنكر الناكل، ويحلف المدعي اليمين المردودة.
نظم قواعد الإعراب الصغرى
(1) "الرسالة المتبادلة" (ص 359).
(2) يعني: رقم.
(1) انظر ترجمته في "تهذيب الكمال": (6/ 503)، و"تهذيب التهذيب": (9/ 440)، و"إكمال تهذيب الكمال": (10/ 336)، و"ميزان الاعتدال": (5/ 162).
(2) انظر (ص 75 - 76).
(1) (ص 79).
(2) الموضع نفسه.