وبَقِيَت بعد هذا وجوهٌ أخرى، وفي هذا كفاية إن شاء الله تعالى".
لكن يبدو أن الغلبة كانت لمن أشار إلي الإدريسي الابن، إذ قرر التخلّص من كبار مستشاري أبيه وأعوانه بمكيدة مدبّرة لإخراجهم من عاصمة الحكم إلى عدن، قال القاضي عبد الله العمودي: "ففي شهر ربيع الأول من سنة 1342 أجلى أهل مجلسه ومشورته من رجال دولته، فطلبهم الإِمام المذكور إلي مجلسه، وأوهمهم بأن يتوجّهوا إلى الحديدة لأجل النظر في الصلاحية، وقد أعطى أمرًا إلى واليه بالحديدة عبد المطلب في نفيهم وإدخالهم البحر إلى عدن، فتمّ له ذلك ... " وذكر منهم القاضي العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي. قال: "نعم، ولم يكن مقتضى لبقائهم إلا أوهام ومشورة الأحداث من أهل مجلسه الطَّغام، حتى إن جريدة صنعاء أشارت إلي هذه الحادثة باللوم، والفضل ما شهدت به الأعداء" (1).
وهذه المكيدة المفاجئة لم تُمَكِّن الشيخ من أخذ شيء من كتبه وأوراقه وباقي أغراضه، وإنما طلبها من تلك الجهة بعد ما استقرّ في الهند، كما في كتاب منه إلى الشيخ محمد نصيف مؤرخ في ذي القعدة سنة 1355.
لم يطل مكث الشيخ في عدن، إذ لم يبق فيها إلا نحو سنتين أو أقل، اشتغل فيها بالتدريس والوعظ والتأليف، فقد ألّف في هذه الفترة رسالته في "الوتر"، و"الرد على حسن الضالعي"، وانتقل في أثناء ذلك إلي مدينة "زنجبار" (2) وهي مدينة بالقرب من عدن.
وترجَّح عندي أن أضعها في الموضع الذي وضعتُها فيه من الكتاب بسبب قوله في ص (ز 51) من هذه القطعة: "ما تقدَّم في الأصل الثاني، ومنها ما سيأتي في الكلام على التقليد".
والكلام على التقليد من فصول "باب في أمور يستند إليها بعضُ الناس في إثبات العقائد، وهي غير صالحة للاستناد إليها"، وهو الباب الرابع من الكتاب فلم يمكن أن أضع هذا الباب المكتَشَف بعد الباب المحال عليه، ولا أن أضعه في أوَّل الكتاب؛ لأنَّ في القطعة عدَّة إحالات على الباب الأوَّل وهو الذي فيه شروط لا إله إلا الله. والباب الثاني "باب في أن الشرك هلاك الأبد، وأن تكفير المسلم كفر" لصيق بالباب الأول، فتعيَّن جعلُ هذه القطعة الباب الثالثَ للكتاب.
والبديل عن صنيعي هو أن أجعله ملحقًا بآخر الكتاب، أو أن أنشره مفردًا، وكلا الأمرين يقلَّل الفائدة ويزيد اختلال الكتاب.
ولعلَّ مما يُسوَّغ صنيعنا وتصرُّفنا هذا أنَّنا لم نحصل على النسخة النهائيَّة التي أرادها المؤلَّف بدليل ما ورد في نسخة (ب) (وقد صاغها بعد المبيَّضة الأولى) من الإشارات التي تدلُّ على تقديم وتأخير في بعض فصول الكتاب.
ومن الأدلَّة القويَّة على كون هذه القطعة من صُلْب الكتاب: قولُ المؤلف في ص (ز 32) من هذه القطعة التي ألحقتُها بالكتاب: "وتقدَّم في أواخر الباب الذي قبل هذا: اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل". فإذا الباب الذي أشار إليه هو "باب في أنَّ الشرك هلاك الأبد، وأنَّ تكفير المسلم كفر"، وهو الباب الثاني، ووقع ذكرُ هذا الحديث الذي أحاله
وعن الإِمام رواه أبو داود في "سننه" (1).
2 - ومحمد بن رافع عند مسلم في "الصحيح" (2).
3 - (3) عند أبي عوانة.
ومنهم أبو معاوية، روى عنه سعيد بن منصور في "المستدرك" (4)، وإسحاق بن إبراهيم عند ابن حبان (5).
ومنهم محمَّد بن خازم روى عنه أسد عند الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (6).
ومنهم محمَّد بن ربيعة، روى عنه عبد الرحمن بن الأسود أبو عَمْرو البصري، عند الترمذي في "سننه" (7)، ومحمد بن إسكاب (كذا) عند أبي عوانة.
ومنهم حفص بن غياث، روى عنه:
1 - أبو بكر بن أبي شيبة، عند مسلم في "الصحيح" (8)
• الإِمام أحمد في "مسنده" (1) (جزء 3/ ص 295): ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعتُ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم ينهى أن يُقْعَد على القبر، وأن يُقَصص، وأن يُبْنى عليه".
جميع السند مصرح فيه بالسماع، كما ترى.
• [ص 81] أبو داود في "سننه" (2): حدثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج ... إلخ بالسند والمتن الذي قبله.
• الحاكم في "المستدرك" (3): حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمَّد العنزي ثنا محمَّد بن عبد الرحمن الشامي ثنا سعيد بن منصور ثنا أبو معاوية عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تجصيص القبور، والكتابة فيها، والبناء عليها، والجلوس عليها".
أقره الذهبي على تصحيحه, وفيه عنعنة ابن جريج وأبي الزبير، وقد صحّ عن كل منهما التصريح بالسماع، ولكن في هذه الرواية زيادة "النهي عن الكتابة" (4).
الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] (1).
ومنها: ما يحكيه بعض المتدينين عن أنفسهم: أن أحدَهم إذا فعل خيرًا وجد أثر ذلك في تيسير الخير له في دينه ودنياه، وإذا فعل سوءًا أحسَّ بأثر ذلك من تغيُّر حاله في دينه ودنياه.
وكثيرًا ما تنال أحدهم العقوبة، فيعرف [أنها] بذنبِ كذا لمناسبتها له. كان ابن سيرين - أحد أئمة التابعين - يتَّجِر وهو مع ذلك محتاط في تجارته، فاتفق أن عَرَض له ما أوقعه في خسارة تجارته، وأدى الأمر إلى أن رفعه خصومُه إلى القاضي فحبسه، فقال: إني لأعرف الذنب الذي عوقبت به، فقيل له: وما هو؟ قال: قلت يومًا لرجل: يا مفلس (2)!
وقد ألَّف الشيخ هذه الرسالة ردًّا على من قال: إن صيامها بدعة، وإن حديثها موضوع لأنه تفرد به سعد بن سعيد الأنصاري، وقد طعن فيه أئمة الحديث.
فردَّ على كونه بدعةً ببيان صحةِ الحديث، وعملِ بعض الصحابة والتابعين به، وإطباق المذاهب على استحباب صيامها. وأما القول بأنه موضوع فلا يُتصوَّر أن يصدر عن عارفٍ بالحديث، وأعجب من ذلك توجيه وضعه بأنه تفرد به سعد بن سعيد. قال المؤلف: "وستعلم حال سعد وتَعلم طرقَ الحديث". ثم ذكر أن هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقف المؤلف على رواية عشرةٍ منهم، وتكلم عليها في عشرة فصول:
الفصل الأول: في حديث أبي أيوب.
الفصل الثاني: في حكم الحديث.
الفصل الثالث: في المتابعات.
الفصل الرابع: في حديث ثوبان.
الفصل الخامس: في حديث أبي هريرة.
الفصل السادس: في حديث جابر.
الفصل السابع: في بقية الأحاديث.
الفصل الثامن: في الآثار.
الفصل التاسع: في مذاهب الفقهاء.
الفصل العاشر: في معنى الحديث.
وعلى هذا يصلح أن يكمل به الجمع الثالث عشر، ولعل اختلاف العلماء في عدِّ جموع شيخ يرجع إلى أنَّ بعض المجموع يندرج تحت بعض فمثلاً: (شُيُوخ) بضمتين على القياس قيل فيه: (شِيوخ) بكسر الشين لمناسبة الياء كما حصل في بيوت وبابه وهي لغة لبعض العرب وقرئ بها في القرآن فمنهم مَنْ جعلها لفظةً واحدة، وكذلك (مشيخاء) قال الزبيدي في التاج (2/ 265): بحذف الواو منها ولم يذكره ابن منظور. اهـ ولعل عدم ذكره لها أنَّ العرب حذفت منها الواو تخفيفًا فإنَّ أصلها: (مشيوخاء) على وزن مفعولاء وهو جمع من جموع (شيخ) كما تراه في النظم، ويؤيّد هذا أنَّ الصغاني في التكملة والذيل والصلة على الصحاح (2/ 155) جَعَلهما جمعًا واحدًا فقال: "والمشْيُخَاء: المشيوخاء". اهـ.
وكذلك يمكن أن يقال في: (مَشْيخة) بفتح الميم وسكون الشين، و (مِشْيخة) - بكسر الميم وسكون الشين - أنهما لغتان في هذا الوزن، وليسا جمعين مختلفين لكلمة (شيخ). والله تعالى أعلم وأحكم.
والأبيات موجودة بالكشكول الذي تقدم وصفه، وتقع في (ص 38) منه، وقد كتبها المؤلف بخطه وشكل الكلمات ثم ختمها باسمه وتوقيعه.
****
القسم الثالث: (الرسائل العروضية):
الرسالة الثانية عشرة: مختصر متن الكافي في العروض والقوافي:
ألَّف أحمد بن عباد بن شعيب القنائي ثم القاهري المعروف بالخواص المتوفى سنة (858 هـ) كتابًا في العروض أسماه بالكافي في علمي العروض
(1) "إمارة السيد الإدريسي" (ص 69 - 71) للقاضي العمودي. وانظر نحوه في "نشر الثناء الحسن": (4/ 224).
(2) ففي المجموع رقم [4657] ذكر فائدة ثم قال: "أفدته بزنجبار".
(1) رقم (3225).
(2) رقم (970).
(3) كذا تركه المؤلف.
(4) (1/ 370).
(5) رقم (3164).
(6) (1/ 515). ومحمد بن خازم هو أبو معاوية المتقدم في رواية الحاكم.
(7) رقم (1052).
(8) رقم (970).
(1) رقم (14148).
(2) رقم (3225).
(3) (1/ 370).
(4) وانظر تعليق الحاكم على هذا الحديث، وردّ الذهبي عليه ومناقشة ابن حجر الهيتمي والمؤلف له ما سبق في (المُبيّضة) (ص 113).
= ولكن هؤلاء الذين يُستجاب لهم - لإقرارهم بربوبيته وأنه يجيب دعاء المضطر إذا دعاه - إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته ولا مطيعين له ولرسوله، كان ما يعطيهم بدعائهم متاعًا في الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق ... وقد دعا الخليل عليه الصلاة والسلام بالرزق لأهل الإيمان فقال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126].
فليس كل من متعه الله برزق ونَصْر، إما إجابة لدعائه، وإما بدون ذلك يكون ممن يحبه الله ويواليه، بل هو سبحانه يرزق المؤمن والكافر والبر والفاجر، وقد يجيب دعاءهم ويعطيهم سُؤلهم في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خَلاق" اهـ.
(1) ذكر المؤلف أول الآية ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ ...﴾ وترك سطرًا لإكمالها.
(2) بنحوها في "الحلية": (2/ 271)، و"تاريخ دمشق": (43/ 546).