تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التفرّغ للعلم. قال في وثيقته تلك:

"والآن أرى أن تفرُّغي للعلم واجب.

أولاً: أن سيدنا - قدّس سرّه - كان يعدُني بذلك.

ثانيًا: أن مشرب سيدنا في علم الظاهر لم يعرفه أحد ذوقًا وتحقُّقًا مثلي، فأريد أن تكون مذاكرتي للطلبة ممزوجة به، حتى تخالط بشاشته قلوبهم وينشؤوا عليه، وأيضًا أنا بنفسي أرى ما عندي.

ثالثًا: أن الطلبة الشافعية ضائعون بلا شيخ، وقد تعب عليهم سيدنا - قدّس سرّه - تعبًا شديدًا، فلا يضيعوا.

رابعًا: أني كما سأذاكرهم في الأحكام سأذاكرهم في الأخلاق كالزهد ونحوه، حتى ينشؤوا عليه.

خامسًا: أنه يجب أن يُنظر إليَّ الآن بنظرٍ فوق ما كان يُنظر إليَّ في حياة سيدنا - قدّس سرّه -، لأني كنتُ في حياته مغمورًا بالحقوق التي له ولا حقّ لي، وأما الآن فالحقوق التي لي كثيرة، وقصدي من هذا أنه ينبغي إجابة طلبي.

سادسًا: من المعلوم أن الخدمة بغير العلم، هي بكُرْهٍ منّي ومشقّة عليّ، فلا آمن على نفسي أن أقصّر فيها.

سابعًا: أني ليس قصدي من ترك الخدمة الراحة والبطالة، وإنما هو الانتقال من مهمّ إلى أهمّ، فإن الدعوة من المعلوم أنها مبنية على علم وعمل، فكيف نقوم بإحياء العمل وترك العلم. والقيامُ بخدمةِ العلم وخصوصًا على الصفة المشروحة هو أعظم خدمة للدعوة، بل هو الشطر المهم فيها.

الشرك هلاك الأبد حتمًا وأنَّ تكفير المسلم كفر".

وقد يتساءل القارئ: لِم أقحمتَ هذه الرسائل الثلاث في الكتاب مع عدم ورودها في نسخة (أ) المشهورة؟

والجواب: أنني وجدت في هذه القطعة أكثر من خمس عشرة إحالة إلى مواضع سبقت أو ستأتي من نسخة (أ) لكتاب العبادة (1)، مما لم يَدَعْ عندي مجالًا للشكِّ في أنَّ هذه القطعة جزء من كتاب العبادة.

[حديث جابر]

[ص 68] الإِمام أحمد "مسند" (1) (جزء 3/ ص 339): ثنا حجاج ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعت النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم نهى أن يقعد الرجل على القبر، أو يجصَّص، أو يُبنى عليه".

تابع الإِمام أحمد عن الحجاج:

1 - يوسف بن سعيد عند النسائي (2)، وعند أبي عوانة في "صحيحه"، وعند ابن حبان (3)، كما في "إتحاف المهرة" (4).

2 - ومحمد بن إسحاق الصغاني عند البيهقي (5).

3 - وهارون بن عبد الله عند مسلم في "الصحيح" (6).

4 - وهلال بن العلاء عند أبي عوانة.

وتابع حجَّاجًا عن ابن جُرَيج جماعة، منهم:

1 - عبد الرزاق، رواه عنه الإِمام أحمد "مسند" (7) (جزء 3/ ص 295)،

حجاج بن محمَّد، ح، وحدثني محمَّد بن رافع ثنا عبد الرزاق جميعًا عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "سمعت النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم يقول ... " بمثله.

أي بمثل الحديث قبله، وسيأتي، ولفظه: قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُجَصَّص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه".

هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع: ثقتان، لا مَطْعن فيهما.

وعبد الرزاق: قيل: فيه شيءٌ من تشيُّعٍ كان فيه، ومن خللٍ في ضبطه بعد عماه.

فأما التشيع؛ فكان خفيفًا، حتى صحَّ عنه تفضيل الشيخين على علي رضي الله عنهم، وصح عنه أنه قال: "الرافضي كافر". ومع ذلك فليس هذا الحديث مما يتعلق بالتشيع.

وأما ما طرأ على ضبطه بعد عماه، فلا يضر في هذا الحديث؛ لأن محمَّد بن رافع ليس ممن سمع منه بعد عماه.

[ص 80] ثم إن حجَّاجًا وعبد الرزاق غير مدلسين، فلا يضرّ قوله: "عن ابن جريج"، مع أنه قد صحَّ عن حجاج التصريح بالتحديث، كما مر في سند "المسند". وصحَّ عن عبد الرزاق أيضًا، كما في سند "المسند" الآتي عقب هذا. وقد أطلقوا أن ما في الصحيح من عنعنة المدلسين محمولٌ على السماع، كما سيأتي، وتأتي المناقشة فيه إن شاء الله.

وبقية السند مصرح فيه بالسماع، كما ترى.

ومنها: ما لا يخلو إنسان من الناس من وقوعه له، وهو أنه كثيرًا ما يقارب الخَطَر ولا يشعر، ويكاد يقع فيه، فيجد ما ينبهه فيسلم، أو يعرض عارض لم يكن في حساب فينجو، وقد جربنا هذا كثيرًا.

ومنها: أن الإنسان الذي لا يخلو من خير يكثر أن تنزل به المصيبة التي كان يظن أنها إذا وقعت مات غمًّا، فيجد في نفسه عند وقوعها ما يهوِّنها عليه ويخفِّفها، بل لعله يرجو منها خيرًا، وعلى العكس من ذلك أهل الشر.

ومن ذلك: ما يُشاهَد من حال الأغنياء الفَجَرة؛ تُسَدّ عنهم طرق الخير، فلا يكادون ينفقون فيها فلسًا، وتُيسَّر لهم طرق الشرّ فينفقون فيها الأموال الكثيرة لغير شهوة يُعتدّ بها أو لذّة تعقل.

ومنها: ما جربه كلّ مؤمن من نفسه من إجابة الرب دعاءه، وإغاثته عند الكرب، وتخليصه من المهالك، وغير ذلك، ويشاركهم في ذلك أهل الأديان الباطلة؛ لأن عندهم اعتقادًا بوجود الرب، والتجاءً إليه، واستغاثةً به، فيمدهم سبحانه بجوده وكرمه في هذه الدنيا (1)، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ

فأفردناها وألحقناها بآخره، وفيها نقول من كلام الشارح ثم الرد عليه ومناقشته.

26 - مسألة في إعادة الإمام الصلاةَ دون من صلَّى وراءه في الجماعة:

توجد نسختها ضمن المجموع رقم [4696] في ثلاث صفحات، وفيها السؤال والجواب. والسؤال هو ما دليل قول الفقهاء: "لو بان حدثُ الإِمام بعد الصلاة وقد صلَّى بجماعة، لزمته الإعادة دونهم".

بدأ المؤلف الجواب ببيان أن الأصل في جميع الأعمال عدم الوجوب، فلا يجب علينا شيء إلا بدليل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فلا يلزم من بطلان صلاة الإِمام بطلانُ صلاة المأموم إلاَّ حيث وقع من المأموم تقصير. ولا يُنكَر أن بين الإِمام والمأموم رابطة قوية، بحيث يؤدي تمام صلاة الإِمام إلى تمام صلاة المأموم ونقصُها إلى نقصها، وكذا العكس. أما أن يؤدي بطلانها إلى بطلانها فلا يطلق ذلك. وقد استدل على ذلك ببعض الأحاديث والآثار.

27 - صيام ستة أيام من شوال:

توجد نسخته بخط المؤلف في مكتبة الحرم المكي برقم [4911] في 15 صفحة طويلة. وفيها زيادات واستدراكات وضرب وشطب في بعض الصفحات، وملاحق وتتمات في مواضع. وهي تامة من أولها إلى آخرها، وقد حصل اضطراب في ترتيب بعض الصفحات، إلاّ أن ترقيم المؤلف عليها يدلُّنا على الترتيب الصحيح.

واتفق هنا السجاعي وصاحب المختار مع ابن مالك في المجموع ما عدا لفظة (مشايخ) فإن ابن مالك لم يذكرها, ولفظة (شِيخة) بوزن صِبْية فإنَّ ابن مالك ذكرها, ولم يذكراها.

واعلم أنَّ بعض هذه الجموع قياسي كشُيوخ - بضمِّ الشين - وأشياخ كبيت وأبيات، وبعضها الآخر ليس قياسًا، بل ربَّما أنكره بعض الأئمة كما جاء في مشايخ فإنه قيل فيه: إنه جمع الجمع، وابن دريد والقزاز أنكراه، وكذا مشيوخاء فإنه من الأوزان النادرة القليلة فهو بوزن (مفعولاء) ولم يأتِ منه إلا معلوجاء، ومعبوداء، ومعيوراء، ومسلوماء، ومشيوخاء، ومتيوساء (1).

هذا وقد استدرك الزبيدي في التاج (2/ 265)، وفي كتابه التكملة (2/ 113) على صاحب القاموس جمعًا غير ما ذكره وهو (أشاييخ) وقال إنه جمع أشياخ، وأشياخ جمع شيخ وهذا مثل أناييب وأنياب وناب.

فتصير الجموع حينئذٍ اثني عشر جمعًا، وأفاد الزبيدي أيضًا أنَّ لفظة (مَشْيخة) تضبط بكسر الميم وفتحها مع سكون الشين وفتح الياء وهذا مذكور في نظم الشيخ المعلِّمي لكنَّ الغريب أنه زاد على هذا أنَّ الياء قد تُضم، وهذا نقله عن اللحياني في نوادره، إذْ قال الزبيدي: "والمشيخة في جموعه ضبطه اللحياني في نوادره بالوجهين: فتح الميم وكسرها وسكون الشين وفتح التحتية وضمّها". اهـ (2).

(1) منها ما في ص (ز 7): "فتستعين النفس بالشبهات وهي لا تحصى كثرةً, وسيأتي ذكر طائفةٍ منها في بابٍ على حِدَةٍ". وقد عقد المؤلف في كتاب العبادة عنوانًا مستقلًّا خاصًّا بالشبهات. انظر ص 567 من المخطوط.

وقال في ص (ز 28): "وبهذا يجمع بين ما تقدَّم هنا وما تقدَّم في أوائل الرسالة من اشتراط اليقين.". وتجد هذا في المخطوط ص 2.

وقال أيضًا في ص (ز 31): "ما تقدَّم في الكلام على اشتراط العلم بمعنى: لا إله إلا الله من قصة أُبَيِّ بن كعب وغيره". وتجد هذا الكلام في ص 15 من المخطوط.

ومن ذلك: ما في ص (ز 32): "وسيأتي في ذكر الأمور التي ورد في الشرع أنها شرك عدة أحاديث وآثار". انظر ص 666 من المخطوط.

وما في ص (ز 33): فاليهود أطاعوا الأحبار والشياطين والهوى الطاعة الخاصة التي هي تأليه وعبادة لغير الله على ما يأتي تفسيره. وقد عقد مبحثًا في تأليه الأحبار والرهبان في ص 391 فما بعدها من المخطوط.

وما في ص (ز 40): "أما الأول فبيانه متوقَّف على تحقيق معنى الإله والعبادة, وسيأتي إن شاء الله تعالى". وبيان ذلك هو لبُّ الرسالة. انظر من ص 165 إلى ص 480 ب من رسالة العبادة فما بعدها.

وما في ص (ز 33): "قد قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في آيات أخرى تقدَّمت في أوائل الرسالة". وقد تقدمت فعلًا في أوائل الرسالة. انظر ص 17 من المخطوط، باب في أنَّ الشرك هلاك الأبد.

(1) رقم (14647).

(2) رقم (2028).

(3) رقم (3165).

(4) رقم (3400).

(5) (4/ 4).

(6) رقم (970).

(7) رقم (14148).

(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم": (2/ 314 - 315): "فمن دعاه موقنًا أنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه، وقد يكون مشركًا وفاسقَا، فإنه سبحانه هو القائل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: 12] وهو القائل سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 67]، وهو القائل سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 40 - 41]. =

(1) انظر كتاب ليس في كلام العرب لابن خالويه ص (330)، والتاج للزبيدي (2/ 75، 265).

(2) انظر التكملة للزبيدي (2/ 113) والتاج له (2/ 265).

· الجزء ١ · الصفحة ٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ٧٠