تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استقام السيد عليّ بالقضاء وأخذتُ أسُلّ نفسي منه.

ولما كان رمضان عام 1340هـ, وصام في "صَبيا" (1) مع ذلك [لحرّ] الشديد وهو تعبان إلي الغاية، وكان "كامل" والشيخ محمد غائبين، وكذلك الشريف حمود، فكان يحيل علَيَّ الكتب، ثم توجّهنا إلي جيزان، فذكر لي أن الضرورة دعت لتوجُّهي إلي "رجال ألمع"، فتوجّهت فنزلوا "الجبالية" وحصلت الأزمة في العمل، وهو بشدّة التعب بعد حرارة الصيام في صبيا، ولم يحمد سيدنا - قدّس سرّه - مساعدة "كامل"؛ لأنه كان قد نجم عليه المرض (2)، وكان يتحسّر ويتندّم على إرسالي.

ثم رجعتُ من "رجال ألمع" وهو مريض، فكانت أقلّ مراجعةٍ أو سؤال أو شغل يشقّ عليه جدًّا، فحينئذٍ تولي الحقير أكثر المخاطبة مع مندوب ابن سعود، ثم توليتُ أكثر المراجعة مع سيدنا - قدّس سرّه - للتبصُّر والتلطّف في إدخال السرور عليه وعدم المشقة، وأمَرَ حينئذ أن تكون الكتب عمومًا ترِدُ إلي الحقير حتى أقرأها، وأتلطّف في عرض مضمونها عليه، ففزت في خدمته بذلك والحمد لله، حتى أفاق من المرض، فكانت الكتب على عادتها تصِلُ إليَّ وأعرض عليه مضمونها، فكان حينئذ يطلب بعض الكتب لقراءتها نصًّا، وكان الإخوان ربما أحالوا عليَّ بعض الأشغال، فيخاصم في ذلك ويقول: لا يمكنه تحمّل الأمور جميعها، فقط مع مرضي هو يتحمل أشغالي التي لا يقوم [بها]

أحمر، وفيه مادة من الدفترين الثالث والرابع.

والنسخة بخط المؤلف. وقد رمزت لها بالحرف (س) أيضًا، إلا أن ترقيمه يبدأ من حيث انتهى الدفتر الذي قبله.

النسخة الثامنة: (رسالة في الكلام في الحكم بغير ما أنزل الله، وتفسير آية ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآية) محفوظة بمكتبة الحرم المكَّيَّ بالرقم العامّ 4658/ 8.

وهي صفحة واحدة.

مقاسها: 20 × 16 سم.

مسطرتها: 16 سطرًا.

وهي بخط المؤلف.

ولهذه الصفحة صلة بتفسير عبادة الأحبار والرهبان ..

* تاسعًا: الطريقة التي سلكتها في تكملة نقص الكتاب:

قد عُلم مما سبق النقصُ الكبير الذي وقع في نسخة (أ)، ولا بدَّ لمن أراد تكميل نقص الكتاب أن يعرف ترتيب الكتاب وبناءه، وأفضل طريق لمعرفة ما نقص من نسخة (أ) ومعرفة ترتيب الكتاب هو تتبُّع إشارات المؤلّف وإحالاته فهي التي تحدَّد لك الموضوعات التي تناولها مع ترتيبها عنده.

فخذ مثالًا على ذلك قوله في ص 115 من نسخة (أ) أثناء كلامه على تفسير لفظ (إله) في كتب العقائد: "وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح ذلك مفصَّلًا في الكلام على شرك قوم نوح، وقوم إبراهيم، وقوم هود، وقوم صالح، والمصريَّين في عهد إبراهيم، ثم في عهد يوسف، ثم في عهد موسى".

لكن ههنا عدة أمور ينجبر بها هذا الوهن:

الأول والثاني: أن الحديث في الصحيح، وهو أصل في الهدم، فلا يقال: إنه متابعة لحديث فَضَالة، وممن رواه القطان، كما مر.

وقال في "فتح المغيث" (1) (ص 77) في الكلام على ما في "الصحيحين" من عنعنة المدلسين: "قال ابن الصلاح - وتبعه النووي وغيره -: محمولٌ على ثبوت السماع عندهم فيه من جهةٍ أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات، تحسينًا للظن بمصنفيهما. يعني: ولو لم نقف نحن على ذلك ... [ص 63] وأشار ابن دقيق العيد إلى التوقف في ذلك ...

وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في "القدح المعلى": أكثر العلماء أن المعنعنات التي في "الصحيحين" مُنَزَّلةٌ منزِلة السماع، يعني: إما لمجيئها من وجهٍ آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها, ولذا استثنى من هذا الخلاف ... وأبو إسحاق فقط بالنسبة لحديث القطان عن زهير عنه، ... والثوري بالنسبة لحديث القطان عنه "اهـ.

1 - والذي عندي: أن صاحب الصحيح لا يصحّح عنعنة من عَرف أنه يدلس إلا بعد الوثوق بثبوت السماع، وإنما لم يثبت السند المصرَّح فيه؛ لأنه نازلٌ، أو نحو ذلك.

كان مكروهًا، وعلى مدَّعي الحُرْمة البيان (1).

وعليه، فلنشرع في ذكر أدلة النهي عن البناء ونحوه، ثم نبين دلالتها على الحُرْمة.

قد تقدم حديث فَضالة في الأمر بتسوية القبور (2)، وحققنا أن معناه: الأمر بأن تكون على الهيئة التي قررها لها الشارع، وأن الهيئة التي قررها لها الشارع هي ما تقتضيه الفطرة في ردَّ تراب الحفرة إليها، وجمعه على ظهر الحفرة، فيصير القبر بطبيعة الحال مسنَّمًا مرتفعًا عن الأرض نحو شبر [ص 73] باعتبار وسطه، ولكنه إذا اتفق أن كان التراب الخارج من الحفرة، إذا جُمِع كلّه على ظهرها ينشأ عنه ارتفاع فوق الشبر، اقتضت التسوية تخفيفه.

وسيأتي في فصل إزالة الإشراف عن القبور حديث علي رضي الله عنه،

قالوا: ثم تكسَّرت الشمس فتطايرت منها السيارات التي الأرض واحدة منها، وأخذت هذه السيارات تدور حول أصلها التي هي الشمس.

قالوا: ثم انكسرت من الأرض كسرة هي [ص 32] القمر.

قالوا: وأما الحيوان والنبات فإنا وجدنا لهما مادة خاصة، لا يتكون الحيوان والنبات إلا منها، فكأنها بالقوى الموجودة في المادة اتفق بالتبادل والتركب المستمرّ أن تكونت تلك المادة، وحصلت لها هذه القوّة الخاصة التي نسميها الحياة، وبحصول الحياة لها حصلت لها إرادة لها تأثير في تكوين جسمها وتركيبه، وفي توليد مثلها.

قالوا: ثم لعلها أخذت تتوالد وتترقَّى صورها بفعل إرادتها حتى صارت إلى هذه الحال. وقوّى هذا الخَرْص عندهم بأنهم وجدوا الحيوان على درجاتٍ في الرُّقيّ، أدناه حيوانات حقيرة توجد في الماء، وأرقاه الإنسان، ووجدوا بعض الأنواع متقاربة كالخيل والحمير، ووجدوا الجنين يتشكَّل في بطن أمه على عدة أشكال، فتوهَّموا أنه يمر في تشكله على السلسلة التي ابتدأت من الحيوان الدنيء إلى أن وصلت إلى الشكل الذي عليه أبواه، وهم مع هذا متفقون أنه لا يوجد فيما يعلمونه حيٌّ إلا من حيّ، وأنهم لم يشاهدوا ولم يسمعوا بأن حيوانًا قد ترقَّى بإرادته من شكل إلى شكل آخر بخلاف العادة المعروفة في جنسه، وأنهم قد حفروا في مواضع كثيرة يقدرون في بعضها أنها اندفنت قبل مائة ألف سنة أو أكثر، ويجدون في بعضها جثث الناس، وبعض الحيوانات الموجودة الآن على ما هي عليه الآن، وأنه إن فُرِض صحة ذلك الترقّي فلا يكون القليل منه إلا في ملايين من السنين، وأنَّ عُمر الأرض على ما يَحْدِسونه لا يكفي لذلك، ولا لعُشْره، ولا لعُشْر عُشْره،

ذلك، والقضية تحتاج إلى تحقيق علمي مُشبع. وتواضع المؤلف فذكر أنه لا يزعم أنه أهل له، ولكنه سيحاول كتابة ما عسى أن يكون حافزًا لمن هو أهل له على النظر في القضية وفصْل القول فيها.

ثم أدار الحوار بين أرباب العقار وغيرهم في هذه القضية، وفيه احتجاج كل فريق لما ذهب إليه، وأطال في ذكر حجج أصحاب العقار، وتوقف في أثنائها، ولم يتمكن من استيفاء الكلام في الموضوع، ولعله لم يجد الفرصة لذلك.

24 - مناقشة لحكم بعض القضاة في قضية تنازع فيها رجلان:

توجد نسختها الخطية في مكتبة الحرم المكي برقم [4690] في ثلاث صفحات طوال، وهي ليست بخط المعلمي، ولعله أملاها على كاتبه عند ما كان شيخ الإِسلام عند الإدريسي، ثم أضاف إليها إضافاتٍ بخطه في مواضع عديدة في الهوامش.

وموضوع الرسالة يدور حول نقض المعلمي لقضاء قاضٍ في قضية تشاجر فيها رجلان، وفيها بحث مسائل في الدعوى والشهادة واختلاف البينات وتعارضها، ومسألة غرز الأخشاب في جدار الغير.

وقد ذكر فيها أولاً أنه ليس من وظيفة المدَّعي والمدعى عليه بيان الأحكام الشرعية، بل وظيفتهما الدعوى والإجابة بشروطها المعروفة، وأن دعوى الحسبة المعتمد قبولُها فيما تُقبل فيه شهادتها غير حقوق الله المحضة، لكنها لا تُسمَّى حسبة إلاّ إذا كانت ممن لا يجرُّ بها لنفسه نفعًا أو يدفع بها ضررًا. وذكر أنه يُشترط لأداء الشهادة لفظ "أشهد"، ولا يكفي لفظ

وصف المخطوط:

الأصل كُتب بخط المؤلف، وقد بدأه بالبسملة ثم بقوله: فائدة، وهو في الكشكول الذي تقدم وصفه ويقع من (ص 19) إلى (ص 27).

****

الرسالة الحادية عشرة: مناظرة أدبية بين المعلِّمي والسنوسي:

في يوم من أيام عيد الفطر سنة (1337 هـ) جرت مذاكرة أدبية وشعرية بين المؤلف وبين الشاعر علي بن محمَّد بن يوسف السنوسي المتوفى سنة (1363 هـ) في مجلس مؤسس دولة الإدارسة - وقتئذٍ - في صبيا وعسير وهو محمَّد بن علي الإدريسي المتوفى سنة (1341 هـ) إذْ كانت له عادة مع الشعراء والأدباء والخطباء حيث يهنئونه بالعيد، فكان السنوسي قد ألقى قصيدةً من بحر المديد تكررت تفعيلاتها أربع مرات، فاعترض المؤلف بأن المديد لا يستعمل إلا مجزوءًا، وأنَّ التربيع هو من صنيع المتأخرين، وأتى بالشواهد في هذا، ثم إنَّ المؤلف بعد هذا تصدَّى لنقد قصيدة السنوسي نقدًا فيه شيء من الشدة حيث عاب عليه تكرار والتزام لفظ (علي) و (ابن علي) في آخر كل بيت، ثم أطال في مسألة الفعل (عدا) من حيث معناه وتعدّيه بحرف الجرّ، وصارت بينه وبين السنوسي مكاتبات في هذه المسألة وطال النقاش بينهما وأدخلوا طرفًا ثالثًا وهو العلاَّمة السيد صالح بن محسن الصيلمي، فكأنه رأى أن الحقَّ مع المعلِّمي، واعتذر له السنوسي في آخر المطاف بقصيدة بعثها إليه وطلب منه إصلاح خللها، فأجابه المعلِّمي بعشرة أبيات.

وهذا دليل على سعة صدورهما وسرعة قبولهما الحق، ورجوعهما إلى

(1) محافظة صبيا في منطقة جازان إلى الشمال منها وتبعد عن مدينة جازان نحو 37

كيلو مترًا.

(2) يعني زاد.

(1) (1/ 218 - 219). وتمام اسم كتاب القطب الحلبي (ت 735): "القِدح المعلى في الرد على أحاديث المحلى". ذكره ابن الملقن في "البدر المنير": (1/ 291) وقال: "في جزء جيد، وما أكثر فوائده".

(1) هذه حجج من يقول: إن البناء على القبور في المِلك مكروه وليس بمحرم، ويسلّم بحرمة البناء ونحوه في غير المِلك. حكاه المؤلف على لسانه، وقد سبق له الرد على حججه ويأتي مزيد منها، ونجملها في الآتي:

1) أن الأصل عدم التفريق بين البناء في المسبلة وفي الملك لعموم الأدلة الواردة في النهي. 2) أنه من التشبُّه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى. 3) أنه من التشبه بأهل الجاهلية في الإفراط في تعظيم القبور. 4) أن فيه إضاعة للمال. 5) كونه من الزينة والخيلاء في أول منازل الآخرة كما قال الشافعي. 6) أنه مخالف لسنة السلف في بناء القبور. 7) أنه صار ذريعة ووسيلة إلى الشرك، إذ تقود إلى الاعتقاد في الميت وأنه يضر وينفع. وهي أدلة قوية يكفي اعتبارها في القول بحرمة البناء على القبر في المِلك.

(2) (ص 39).

· الجزء ١ · الصفحة ٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ٦٤