تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الثالث

تنقلات الشيخ ورحلاته

للشيخ ثلاث رحلات رئيسة، الأولى رحلته إلي الإدريسي، والثانية إلي الهند، والثالثة رحلته إلي مكة المكرمة واستقراره بها، وقد تخلل ذلك انتقاله إلى عدن وإندونيسيا، وهذا تفصيل خبرها.

1) الرحلة إلي الإدريسي (1) (1337 - 1341)

في سنة 1335 كان المعلمي يعمل كاتبًا للسيد محمد بن علي الذاري، وكان الذاري عاملًا وقاضيًا على عتمة من قبل الإِمام يحيى حميد الدين، وقد وُصف بالعسف والجور في أحكامه بحيث كثرت شكوى الناس منه، فعزله الإِمام يحيي (2)، وقد أثنى المعلمي على الذاري بالشهامة والكرم إلا أنه وصفه بقلّة العلم. وكان القضاء قبل ولاية الذاري في عُتمة وغيرها

مما أنزل الله تعالى به سلطانًا بأنه عبادة لله عزَّ وجلَّ، فهو عبادة للمحلوف به، فكيف والمحلوف به يستحقُّ هذا التعظيم". صوابه كما في آخر ص 737 من المخطوط: "فإذا وقع بغير الله عزَّ وجلَّ فإن كان مما أنزل الله تعالى به سلطانًا فهو عبادة لله عزَّ وجلَّ وإَّلا فهو عبادة للمحلوف به، فكيف والمحلوف به لا يستحقُّ هذا التعظيم".

وسقط على المحقق صفحتان كاملتان من المخطوط هما 740 و741.

ومنها: الإخلال بترتيب بعض فقرات الكتاب:

انظر ص 227 من طبعة دار العاصمة، وص 57 من المخطوط (ص 243 - 244 من طبعتنا):

جعل المحقق بداية صفحة المخطوط: "اعلم أولاً أنني بحمد الله ... " إلى قوله: "وهو أبعد الناس عنهم". ثم أعقبها بفقرة "فصل: واعلم أن الباعث على تقليد الصوفية". إلى قوله: "فأقول مستعينًا بالله: اعلم أن الخوارق المنقولة ... " إلخ.

والصواب: أنَّ بداية الصفحة هي الفقرة المؤخرة عند المحقق، التي تبدأ بـ "فصل"، ثم يأتي بعد قوله: "فأقول مستعينًا بالله" فقرةُ: "اعلم أوَّلًا أنني بحمد الله"، ثم فقرة: "ثم اعلم أن الخوارق المنقولة ... ".

ومن التحريفات والتصحيفات والأسقاط والتطبيعات:

الصفحة |السطر |المخطوطة |الخطأ | الصواب

226 | ......... |56 |اعتقادهم نية الصلاح |اعتقادهم فينا الصلاح

229| ......... |58 |اخترعها متبوعوهم |في الأصل: متبعوهم، وفي نسخة (ب): تابعوهم

ولهذا تراهم يعمدون إلى السند الذي فيه من وُصِف بمطلق التدليس، ولكنه صرح بالتحديث عن شيخه، فيحكمون له بالصحة، وإن كان شيخه أو شيخ شيخه لم يصرَّح بالسماع، إلا أن يوصَفَ بالتسوية، فلا بد من التصريح بالسماع منه إلى آخر السند.

ووجهه أن تدليس التسوية أقبح وأشنع من مطلق التدليس، إذ لا يخلو عن الكذب، فالظاهر سلامة الثقة منه، وإن وُصِف بمطلق التدليس.

انظر كتب الفن في تدليس التسوية.

أما سفيان: فقد قيل: إنه كان يدلس التسوية، ولكن في "فتح المغيث" (1) (ص 77) قال البخاري: لا يُعْرَف لسفيان الثوري عن حبيب ابن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كُهَيل، ولا عن منصور، ولا عن كثير من مشايخه تدليس، ما أقل تدليسه! اهـ.

[ص 58] وظاهر هذا يتناول تدليس التسوية، وإلا لقال البخاري: ولكنه كان يسوَّي فيما رواه عن حبيب، أو نحو ذلك. مع أن سفيان أثبت إن شاء الله من أن يسوّي فيما رواه عن شيخ قد تنزه عن التدليس عنه، فإن ذلك أشدّ غررًا من التسوية مع عدم التنزه عن التدليس؛ لأن العلم بتنزّهه عن التدليس عن شيخه، يَحْمِل على الظن بأنه لم يسوّ فيما رواه عنه.

على أن ههنا مانعًا آخر من الحمل على التدليس، وهو سقوط "ألا" في رواية عبد الرحمن وخلاد أصلاً، وثبوتها في رواية الآخرين غالبًا، وهذا يدل أنهما روايتان من الأصل.

حضر الدفن، والظاهر أنه حضر دفن الشيخين أيضًا، فكيف يحتاج إلى السؤال عن كيفية القبور؟ اللهم إلا أن يكون جوز تغييرها، وفيه بُعْد، كما أن تجويز أنه لم يحضر أبعد.

وعلى كل حال، فحديث ابن شاهين لم يصحّح، ولعله لا يكون صحيحًا.

ثالثها: أن وضع الحصى على القبر، على فَرْض تسليم جوازه، فإنما هو - والله أعلم - علامة للقبر، ولا حاجة للعلامة في قبور رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه.

فالذي يظهر - والله أعلم - ترجيح المعنى الثالث.

[ص 62] ومن أدلة التسنيم: أثر الشعبي الذي رواه ابن أبي شيبة، كما تقدم (1)، وإن عنعنه سفيان.

ومنها: أن العمل في عهد السلف كان جاريًا على ذلك.

والظاهر في مثل هذا أن يكون موافقًا للسنة، ما دام لم يقم دليلٌ يدل على مخالفته.

وقال صاحب "الجوهر النقي" (2): "وحكى الطبري عن قوم أن السنة التسنيم، واستدل لهم بأن هيئة القبور سنة متبعة، ولم يزل المسلمون يسنِّمون قبورهم، ثم قال: ثنا ابن بشار ثنا عبد الرحمن ثنا خالد بن أبي عثمان قال: رأيت قبر ابن عمر مسنَّمًا.

فعنه جوابان:

الأول: أنّ يُدَّعى أن هذا إنما يكون عند المرض أو الخوف الخفيف، فأما عند الشدة الشديدة فإنما يفزعون إلى رب [ص 27] العالمين، كما قَصَّه الله عَزَّ وَجَلَّ عن المشركين (1).

الثاني: أن الفزع إلى تلك الأشياء إنما هو من جهة اعتقاد علاقتها بالرب، فإن فُرِض أن من الناس من يزعم في بعض المخلوقات أنه هو الرب، فنفسه إنما فزعت إلى الرب، غير أنّ العادةَ والتقليد وجَّه الفزعَ إلى ذلك الشيء من جهة توهُّم أنه هو الرب.

وإيضاح ذلك أن القَدْر المغروس في النفس مجمل تتكاثف عليه الحُجُب، ومثال ذلك: امرأة عمياء أضلَّت ولدها صغيرًا، فهي تعرف أن لها ولدًا تحبه طبعًا، وتبحث عنه، فقد يجيئها إنسان بولد فيقول لها: هذا ولدك، فتأخذه وتضمّه وتشمّه على أنه ولدها لا ترتاب فيه.

وقد يأتيها إنسان ببعض ثياب ولدها، ويخبرها بذلك، فتأخذ ذلك الثوب فتشمه وتلتذّ به، وقد يأتيها بثوب لغير ولدها، فيزعم لها أنه ثوب ولدها، فيكون حالها كذلك، فهذا كله لا ينفي اعتقادها أن لها ولدًا، وأنها إنما تحبّ ولدها في نفس الأمر، وتحنو عليه، وتلتذّ بقربه.

****

الورقة الأخيرة من "الرد على الضالعي"

نموذج من تفسير (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)

نماذج من النُّسخ الخطية

ورقة من "ملخّص طبقات المدلسين"

ويذكر في إحدى مقالاته (1) أنه أثناء دراسته للسراجية توقف في مسألة حجب ابن الابن مع عمه، ولم تلقَ في نفسه قبولاً، فبحث في كتب علم الفرائض، فلم يجد له موافقًا، ثم قال: "وأخيرًا وجدتُ القرآن يوافقني في ذلك". وأخرج كتابًا بالأردية بعنوان "محجوب الإرث" (2) نقدًا لقواعد الميراث المجمع عليها بين المسلمين.

وقد بني الجيراجي كتابيه على أسس باطلة، واستنبط من القرآن الكريم استنباطات خاطئة، وادَّعى أن الوصية للوالدين والأقربين فرض على المسلم، وعليه أن يكتبها في حياته لوالديه ولأقربيه ويجعل ماله بينهم حسب ما تقتضي مصالحهم الشخصية، فإنه أدرى بها، ولم يعتبرها منسوخةً بآية المواريث كما يقوله جمهور الأمة، وقال: إنما يُقسَم المالُ بين الورثة إذا مات المورث بلا وصية، فحينئذٍ يُعمَل بآية المواريث ويُعطى كل ذي حق حقه.

وخالف إجماع العلماء على أن أولاد الأم من ذوي الفروض، وأن بني الأعيان والعلات ملحقون بالعصبة، وانتقد صنيعهم في ذلك، وفسَّر آية الكلالة تفسيرًا بعيدًا، وقال: إن الفقهاء ظلموا الأَقرباء لأنهم جعلوا الأباعد من أولاد الأم ذوي فرض، والأقربين من بني الأعيان والعلات عصبة، وهي لا ترث إلا ما بقي من ذوي الفروض. وتوصَّل إلى أن أولاد الأم ليسوا بذوي فرض، بل حكمهم كحكم سائر الإخوة والأخوات، وهم يرثون إذا لم يكن هناك أحدٌ من بني الأعيان والعلّات.

التصحيح اللغوي أسماه (دُرَّة الغواص في أوهام الخواص)، وتناوله علماء اللغة بالتحشية، والشرح، والنقد، والنظم والاستدراك، والتلخيص والاختصار، فمِنَ الحواشي الموضوعة عليه حاشية ابن برّي اللغوي (ت 582 هـ)، وحاشية ابن ظَفَرٍ الصقلّي (ت 565 هـ)، وحاشية ابن الخشَّاب (ت 567 هـ)، وأمَّا الشروح فمنها شرح أبي بكر الأنصاري، وشرح الخفاجي المصري (ت 1069 هـ)، وشرح الشيخ زين المرصفي الصيّاد (ت 1300 هـ) المسمَّى: عنوان المسرَّة لشرح محاسن الدرَّة، وكتاب كشف الطَرّة عن الدّرة لمحمد أفندي الآلوسي (ت 1270 هـ) وغيرها.

ومن الأنظام: نظم ابن الوراق الفائزي، ونظم أبي الفتوح عبد القادر بن إبراهيم، وأمَّا الاختصارات فمن ذلك مختصر الدرة للشيخ عبد الرحيم بن الرضي الموصلي (ت 671 هـ)، وتهذيب الخواص من درّة الغواص لابن منظور صاحب لسان العرب (ت 711 هـ)، وغير ذلك من الأعمال التي قامت حول الدرة (1).

ورسالتنا هذه تُعدُّ واحدةً من تلك السلسلة العلمية المباركة، فالمعلّمي رحمه الله لخَّصَ درة الغواص تلخيصًا بديعًا يدل دلالة واضحة على معرفته بفنِّ الاختصار معرفةً فائقة، فهو لم يحذف الزوائد فحسب، بل ربما أضاف أشياء كالمستدرك بها على الأصل.

(1) هو: محمد بن علي بن محمد ابن السيد أحمد ابن إِدْرِيس: مؤسسة دولة الأدارسة في صبيا وعسير. ولد سنة 1293، أصله من فاس. تعلّم في الأزهر بمصر، وطمح إلى السيادة، فنشر في صبيا طريقة جده (أحمد بن إدريس) فأتبعه كثيرون، فوثب بهم على حكومتها (سنة 1327)، فجهزت حكومة الترك الجيوش لقتاله، فلم تفلح. وامتلك بلاد (عسير) واتسع نطاق سلطانه. واستولى بعد الحرب على الحديدة، وتعاقد مع الملك عبد العزيز آل سعود على تأمين مصالح الجانبين. وكان بين عدوّين قويين: الإِمام يحيي في اليمن، والشريف حسين بن علي في الحجاز، واستمر في عزّ ومنعة إلى أن توفي سنة 1341. وكان مدبرًا حكيمًا شجاعًا جوادًا. ملخصة من "الأعلام": (6/ 303 - 304) للزركلي.

(2) انظر "هجر العلم": (2/ 661). وانظر ما سبق (ص 53) حاشية (1).

(1) المصدر نفسه.

(1) (ص 29).

(2) (4/ 4 - بهامش سنن البيهقي).

(1) في الآيات التي سلفت قريبًا. وفي قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ...﴾ الآية [الإسراء: 67].

(1) مجلة "طلوع إسلام" (عدد يناير 1956) ص 15.

(2) أول ما نُشر في مجلة "معارف" (عدد يوليو وسبتمبر 1919 م)، ثم طُبع مستقلًّا.

(1) ما ذكرته هنا على وجه الإيجاز ولم أستقصِ، وانظر كشف الظنون (1/ 741)، وإيضاح المكنون (3/ 459)، ومقدمة تحقيق تهذيب الخواص (ص 15).

· الجزء ١ · الصفحة ٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ٥٥