نلحقه بمرحلة متمّمة وهي إدخال كل هذه المنسوخات الورقية باليد على الحاسوب، وقمنا قبلها باختيار الخط المناسب، والتنسيق المناسب، فأدخلنا جميع المنسوخات على الجهاز في نحو أربعة أشهر أو تزيد، وتتلخص الفوائد من هذه المرحلة في أمور:
1 - اختصار الوقت، وذلك بِطَيِّ مرحلة الإدخال على الحاسوب قبل التحقيق، فلا يبقى على الصفيف إلا إدخال حواشي التحقيق وتعديلات المقابلة وتصحيحات النصّ والإخراج.
2 - سهولة البحث في المادة المدخلة لمعرفة تعلق الرسائل ببعضها، أو اكتشاف التكرار الذي قد يحصل بين المنسوخات، ومعرفة أين بحث المؤلف هذه المسألة من كتبه الأخرى.
3 - سهولة نقل المباحث أو القطع المتفرّقة من الرسالة الواحدة إلى مكان واحد إذ عرف تعلقها ببعضها.
4 - حفظ المنسوخ الورقي من الضياع أو التلف بأنواعه، فنأمن من أن نحتاج حينئذٍ إلى نَسْخِه من جديد.
بعد إتمام عملية الإدخال كان عدد الأوراق المنسوخة على الحاسوب أكثر من سبعة آلاف ورقة. وقد شارك في هذه المرحلة الأولية عدد من الأفاضل، أبرزهم الشيخ عبد الرحمن الأهدل، والأخ عبد الله بن أحمد العمري، والشيخ عدنان البخاري.
بالأحاديث الثابتة، فينبغي للمسلمين ألَّا يغترُّوا بأحد يحتجُّ بالكتاب والسنة على الأمور المشتبهة.
* والأمر الثالث الذي يستند إليه كثير من الناس هو الاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، وكذلك بالآثار المكذوبة عن السلف، أو التي لم تصحَّ.
ويحتجُّ بعضهم بالضعيف مع اعترافهم بضعفه قائلين بأن فضائل الأعمال يُتسامح فيها، مُغْفِلين أنَّ الفضائل إنما تُتَلقَّى من الشارع فإثباتها بالحديث الضعيف اختراع عبادة، وشرعٌ في الدين لما لم يأذن به الله.
* وذكر المؤلِّف من الأمور التي يستند إليها بعض الناس في باب العقائد: مجرَّد العقل والقياس، مع أنَّ للعقل حدًّا ينتهي إليه كما أن للبصر حدًّا ينتهي إليه، وللعقل أغلاط دقيقة وخفيَّة أشدّ من أغلاط الحواسَّ الأخرى.
وقد حكى الله عن طوائف من المشركين استنادهم إلى مجرَّد رأيهم وقياسهم في عبادتهم غير الله زاعمين أنهم بشركهم معظِّمون لله، وأنهم ليسوا بأهلٍ أن يعبدوا لله مباشرة لحقارتهم، ولا بدَّ من واسطة يتوسَّطون بها.
ويحتجُّ بعض الناس بآيات من كتاب الله أو سنة ثابتة عنه - صلى الله عليه وسلم - ويغفل أو يتغافل عن عدَّة آيات أو سنن أخرى تعارض استدلاله , فإنَّ الكتاب والسنَّة كالكلام الواحد.
ومن الناس مَن تغلب عليه العصبيَّة للرأي الذي نشأ عليه، ويستغني بمحبته لذلك الرأي عن أن يتطلَّب له حجَّة، ويمتنع من أن يُصغي إلى الأدلَّة التي يتمسَّك بها مخالفُه.
والإرشادات التي جاءت عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم في آداب الدعاء، وأكتفي بالترضِّي والترحُّم والاستغفار للعلماء والصالحين، وأدَعُ التوسُّل عملاً بحديث الحسن السبط رضي الله عنه: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث الحسن السِّبط رضي الله عنه، وما في معناه من الأحاديث.
وأرجو أن تكون هذه الطريقة هي الأسلم؛ لأني على يقين أنه لو ثبت التوسّل المتعارَف ثم تركه إنسانٌ لم يكن عليه إثم؛ إذ لا قائل بوجوبه، فكيف والحال أنه لم يثبت؟ فتَرْكه بنيّة الإحجام عما لم يطمئنّ القلبُ بثبوته مما أرجو أن يأجرني الله تعالى عليه.
فمن أحبّ السلامة فهذا سبيلها، ومَن أقْدَم على التوسُّل فهو وما تولّى، ولا أقطع بخطئه ولا ضلاله، بل أرجو له التوفيق والهداية إن شاء الله تعالى".
وهنا انتهى الكلام على البحوث الخمسة التي عنون لها.
وقد أتبعنا هذه البحوث الخمسة بحثًا في حكم اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا، لم يتحرّر لنا مكانه في الكتاب ولم يعنونه المؤلف بعنوان، فرأينا أن هذا الموضع هو اللائق بسياق موضوعاته.
وقد بدأه بقوله: "قال المانعون: ومن المحدَّث اتخاذ ليلتي المولد والمعراج عيدًا"، ثم ذكر أول مَن أحدث ذلك، ثم بدأ البحث - كما سبق في البحوث السالفة - على شكل مناظرة بين المجيزين لذلك والمانعين منه، فبدأ بقول المجيزين ثم المانعين وهكذا، وتطرق في أثنائه لحكم العمل بالحديث الضعيف وشروطه ... وأطال في الرد على من أجاز الاحتفال بهما والتشنيع عليهم.
- ثم ذكر حديث أم سلمة في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُبنى على القبر أو يجصص وتكلم على ثبوته (ص 109 - 111).
- ثم عقد ما يشبه الاستدراك أو الإضافة فقال: (تتمة لحديث جابر وأبي سعيد وناعم) (ص 112 - 113).
* خامسًا: بين المسوّدة والمبيّضة، ودواعي طبعهما:
نعقد هذا المبحث لنوازن بين هاتين النسختين من هذه الرسالة، من حيثُ التقسيمُ، والترتيبُ، والزيادات وما تميّزت به كلٌّ منهما، وبه يظهر لنا دواعي طبعهما معًا وعدم الاكتفاء بإحداهما عن الأخرى، فنقول:
1 - التقسيم: في المبيضة صرّح المؤلف بتقسيمها إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة، وقد وفى بترتيبه هذا في الجملة، غير أن الخاتمة لم يتمكن من كتابتها بعد أن كتب عنوانها فقط.
أما المسوّدة فلم يقسمها تقسيمًا واضح المعالم، وإنما يعنون عنوانات جانبية ويبحث تحتها المسائل، ويحيل إلى مباحث أنه سيأتي ذكرها ولم نجدها في هذه النسخة.
2 - الترتيب: ظهر من عرض الرسالة في نسختيها أنّ هناك اختلافًا في ترتيبهما، إذ بعد اتفاقهما في التصدير تبدأ المبيّضة بمقدّمة طويلة عقدها المؤلف للتدليل على أن أمور الشرع توقيفية لا تؤخَذ إلا من الشارع، ثم تكلّم على الوسائل وخَلَص إلى أن شأن القبور شأن شرعيّ يجب أن ينظر فيه بنظر الشرع. بينما المسوَّدة تخلو من هذا البحث.
وإن كانت تقتضي التوقف، فذلك إذا لم تقم قرينة على الحفظ، كما هنا.
* في "كنز العمال" (1): "سووا القبور على وجه الأرض إذا دفنتم". طب عن فَضَالة بن عبيد.
* [ص 20] ابن حبان في "صحيحه" (2): أخبرنا السجستاني ثنا أبو كامل الجحدري ثنا الفضل بن سليمان عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: أن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم أُلْحِد له، ونُصِب عليه اللبن نصبًا، ورُفع قبره من الأرض نحوًا من شبر".
* القاسم بن محمَّد في "سنن أبي داود" (3): عن القاسم بن محمَّد قال: "دخلت على عائشة فقلت: يا أُمَّاه! اكشفي لي عن قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصة الحمراء".
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (4): وزاد: "فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم مقدّمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وعمر رأسه عند رجلي النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم".
قال الحاكم: صحيح. وأقره الذهبي.
* [ص 21] أبو جعفر بن شاهين في "كتاب الجنائز" له: بسنده عن جابر
نفسُها، وغيرها من القرآن والسنة المتواترة.
ولو كان ما زعمتَه مراد الله عزَّ وجلَّ، لكان فَهِمَه رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم، وعَمِل به في حياته في حق أصحابه الذين توفوا في حياته، كعثمان بن مظعون، وسعد بن معاذ، وعمه حمزة، ومن معه من الشهداء، وأولاده صلَّى الله عليه وآله وسلم.
وعدم فعله صلَّى الله عليه وآله وسلم ذلك كافٍ في إبطال هذا الزعم، فكيف والواقع أنه ثبت عنه النهي عن البناء على القبور، والأمر بتسويتها مطلقًا، وتواتر عنه لعن من اتخذ القبور مساجد، وفي بعض الروايات الصحيحة التصريح بأن المراد باتخاذها مساجد بناء المساجد مشتملة عليها، وسيأتي بيان الأدلة التي تدل على أن مثل ذلك بناء المساجد عند القبور وإن لم تكن مشتملةً عليها، وكذا بناؤها لأجلها وإن كانت بعيدة عنها. وسيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله (1).
ثم جاء مِن بعده أصحابه، فلزموا طريقته، وثبت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه بعث صاحب شرطته لتسوية كلّ قبرٍ مشرفٍ مطلقًا (2)، واستمرَّ الحالُ على ذلك في القرون الأولى المشهود لها بالخير، حتى جاء بعض المتشيّعين بعد الألف، يزعم أن الآية تدل على خلاف ذلك كله، سبحانك هذا بهتان عظيم!!
وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].
قلت: كلمات إبراهيم - عليه السلام - تجمع أمورًا:
الأول: التورية القريبة.
الثاني: أنه كان في حاله ما يدعو إلى أن يُظَنّ أنه وَرَّى، وهذا شبه قرينة، وذلك كقوله لما سُئل (1) عن امرأته: "هي أختي"، وأراد الأخوَّة في الدين. فإنه كان من عادة الجبار: الذي دخل بلاده أنه إذا سمع بامرأة جميلة لها زوج بدأ بقتل زوجها، ومن البيَّن أنّ الزوج إذا سُئل عن امرأته في مثل تلك الحال يحرص على تخليص نفسه من القتل، فإذا كان ممن لا يستحلّ صريحَ الكذب وَرَّى.
فتلك شِبْه قرينة تصرف عن الظاهر، ونحو هذا يأتي في الكلمتين الأخريين.
الأمر الثالث: أنه إنما بتلك (2) الكلمات يدفع مفاسد عظيمة، ولهذا قال النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كُلُّهنّ في ذات الله".
وأقربها إلى حظ النفس قوله: "هي أختي"، ولم يقلها لمجرد حظ نفسه، بل حرص على بقائه حيًّا ليدعو إلى الله عزَّ وجلَّ، ودفع بها ظلم القتل عن أولئك القوم.
ولا أستبعد أن تكون تلك الكلمات وقعت منه - عليه السلام - قبل النبوة، ويدل على ذلك قول الله عَزَّ وَجَلَّ فيما حكاه عن قومه بعد تكسير
الدِّين الحقَّ بقي في عرب الحجاز وما حولها فوق عشرين قرنًا بعد إبراهيم عليه السَّلام، وأنَّهم غيَّروا بعدُ أشياء، وبقوا متمسَّكين بأشياء أخرى، حتى بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا فيه بيان فضل العرب على بني إسرائيل، من جهة طول مدَّة تمسُّكهم بالحنيفيَّة ملَّة إبراهيم، قبل دخول الشَّرك فيهم، مع قِلَّة الأنبياء فيهم، وتفضيلهم عليهم في هذا الأمر.
وقد خلص المؤلِّف رحمه الله إلى هذه النَّتيجة بعد تحليلٍ وشرحٍ للنُّصوص الدَّالة على هذا المعنى، ممَّا سيق من كتابهم المقدَّس، مع ربط ذلك بما نقله أهل المعرفة بتواريخ الأمم.
ومع قِصَر هذه الرسالة ووجازتها فإنَّ فوائدها كثيرة، فمن نتائجها:
1 - بيان الحدِّ الزَّمني الفاصل بين بقاء العرب - من بني إسماعيل وغيرهم - على التوحيد وبين بداية دخول الشرك عليهم.
2 - فضل العَرَب الحنيفيَّين على الإسرائيليِّين، مع بُعد عهدهم بإبراهيم وإسماعيل، ولم يكن فيهم بعدهما إلى ذاك التاريخ نبيٌّ مع قِلَّة النبيِّين، بخلاف الآخرين.
3 - دلالة كتبهم المقدَّسة على فضل بني إسماعيل، وتمسُّكهم بدينهم، من كلام الله المدَّعى في كتبهم، وأنَّ العقبى لهم.
4 - مناقشته لبعض كلام الشيخ رحمة الله الهندي مؤلَّف كتاب "إظهار الحق" في تفسيره نصوص الكتاب المقدَّس، وبيان الراجح عنده والتدليل عليه.
نعم وقف الشيخ على كتب الفراهي، وذكر ثلاثة منها في مقدمة تعقيبه على تفسيره لسورة الفيل كما سبق. وأحدها: تفسير سورة الشمس، وقد طبع سنة 1326. وفي هذه السنة طبع تفسير سورة العصر، وتفسير سورة التحريم، وتفسير سورة الكافرون. وقد طبع تفسير سورة القيامة وسورة اللهب منها سنة 1324، ثم طبع تفسير سورة الذاريات وعبس نحو سنة 1338، وبعدها تفسير سورة التين. أما تفسير سورة المرسلات وتفسير سورة الكوثر فطبعا نحو سنة 1351 هـ.
وقد عني الفراهي في تفسيره بارتباط الآي بل بنظام السورة عناية بالغة، وقد سمى تفسيره "نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان". و"النظام" - وقد يستعمل كلمة النظم - عنده يختلف عن "التناسب" الذي اهتم به كثير من المفسرين، فهو قريب من الوحدة الموضوعية عند المعاصرين.
ولا يبعد أن يكون الشيخ المعلمي قد لقي في حيدراباد بعض أصحاب الفراهي وتلامذته، وسمع منهم ثناء عاطرًا على الفراهي ومنهجه في تفسير القرآن، ثم وقف على بعض أجزاء تفسيره، مما دفعه إلى تأليف هذه الرسالة في ارتباط الآي في سورة البقرة.
وقد ذكر القاضي ابن العربي في سراج المريدين أن "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة ... " (الإتقان 5/ 1837).
ويقول الفراهي في مقدمة تفسيره: "وقد يسر الله تعالى لي بمحض
في الصحة والضعف، والمفسرون يذكرون تفاصيل القصص من غير بحث عما ثبت وعما لم يثبت، وهذا ربما يعظم ضرره، وربما يصرف عن صحيح التأويل. فلا بد أولاً من الفرق بين المنصوص وبين المأخوذ من الروايات، ثم لا بد ثانيًا من التمييز بين ما ثبت وبين ما لم يثبت" (ص 15).
ثم نظر المعلِّم رحمه الله في الروايات ثلاث نظرات: الأولى فيما زعموا من سبب مجيء أبرهة ومما جرى بينه وبين أهل مكة، والثانية فيما كان من رمي أصحاب الفيل، والثالثة في أمر الطير. وافتتح النظرة الأولى بقوله:
"كل ما ذكروا من سبب مجيء أبرهة لغضبه على العرب ومن فرار أهل مكة ومما جرى بين أبرهة وعبد المطلب لم يثبت من جهة السند، فإن كل ذلك لا يجاوز ابن إسحاق، ومعلوم عند جهابذة أهل الحديث أنه يأخذ الروايات من اليهود وممن لا يوثق به. ثم يبطل هذه الأمور روايات أخر، ويبطله ما ثبت عندنا من عادات العرب. ومما يدل على كونها من أكاذيب الأعداء أنها ما تعمدت إلا غضاضة من العرب وحميتهم، وإهانة لرئيسهم عبد المطلب القرشي، وتنويهًا بحسن خلق أبرهة الحبشي ومسبة على من هيجه على هدم الكعبة، وبسطًا لعذره إذا انتصر لكنيسته. فلم يترك الكذابون شيئًا من الذلة والمنقصة والعار والشنار إلا نسبوها إلى العرب وقريش ورئيسها، فلا نكتفي ها هنا بإرسال القول فيها بل نذكر لك الوجوه التي تدل على كذب هذه الروايات" (ص 16).
ثم ذكر سبعة وجوه تدل عنده على كذب الرواية, والسادس منها أنهم زعموا أن أبرهة كان رجلاً حليمًا، وإنما هيجه أحد بني فقيم إذ دخل كنيسته
الورقة قبل الأخيرة من "تعزيز الطليعة"
ويأخذ نفسه بخلاف هواها فيما يتبين له، فلا يسامحها في ترك واجب ولا في ارتكاب معصية ولا في هجوم على مشتبه، ويروضها على التثبت والخضوع للحق. ويأخذ نفسه بالاحتياط فيما يخالف ما نشأ عليه، فإذا كان فيما نشأ عليه أشياء يقول أهل العلم: إنها شرك أو بدعة أو حرام، فليأخذ نفسه بتركها، حتى يتبين له بالحجج الواضحة صحة ما نشأ عليه. والأمر الأخير أن يسعى في التمييز بين معدن الحجج ومعدن الشبهات، فإنه إذا تم له ذلك هان عليه الخطب.
والباب الأول في الفرق بين معدن الحق ومعدن الشبهات، وبيان مآخذ العقائد الإِسلامية ومراتبها. ذكر فيه أن مآخذ العقائد أربعة: سلفيان وهما الفطرة والشرع، وخلفيان وهما النظر العقلي المتعمَّق فيه والكشف الصوفي. وفصّل الكلام عليها، وبين أن الله فطر الناس على الهيئة التي ترشحهم لمعرفة الحق، والشرع هو كلام الله وكلام رسوله، لا يخشى فيه جهل ولا خطأ، ولا كذب ولا تلبيس، ولا تقصير في البيان، فهل يقول مسلم بعد هذا: إن المأخذين السلفيين غير كافيين في معرفة الحق في العقائد، وأن ما يؤخذ من علم الكلام والفلسفة مقدم على المأخذين السلفيين ومهيمن عليهما؟!
أما المأخذ الخلفي الأول (وهو النظر العقلي المتعمَّق فيه) فلا حاجة إليه في معرفة العقائد في الإِسلام، وهو مثار للشبهات والتشكيك، ولذا وجب التنفير عنه والتحذير منه. وقد كشف المؤلف عواره وهتك أستاره بسلاح أهل الكلام والفلسفة، فنقل كلامهم وبين اختلافهم، وقدح بعضهم في الحسيات والبديهيات وجواب بعضهم عنه وتناقضهم في ذلك. ثم
وواضح من رسائله إلى الرافعي أنه كان يسعى لأن يكون كاتبًا يملك ناصية الأدب، ففي كثير منها يسأله عن كتب الأدب وكيف قراءتها، وكتب النحو والمنطق والتصحيح اللغوي ... (1).
بدأ أبو رية بالكتابة في الصحف والمجلات المعروفة في عصره، وبتلخيص بعض الكتب الأدبية، ككتاب الحيوان للجاحظ وبعض الكتب الأدبية (2).
وكان في أولى مقالاته مدافعًا عن الدين وعن البلدان الإِسلامية، فمرَّة تراه يستنجد للحجاز ليهب المسلمون بتقديم يد المساعدة إليه، وإلى أهل الحرمين قبيل الحرب العالمية الثانية، في مقال بعنوان: ما يجب على المسلمين للحجاز (3).
ومرةً يدعو إلى تطهير التوحيد مما لصق به، وإخلاصه لله عزَّ وجلَّ في مقال بعنوان: تطهير العقائد أساس الإصلاح في البراء (4).
بل نجده أحد الذين تصدّوا للردّ على توفيق الحكيم في دعوته إلى توحيد الأديان.
[استقامة مرويات الرواة الوُحدان أو نكارتها هي ميزان الحكم عليهم]
- إبراهيم بن عكاشة
قال ابن أبي حاتم: وجدت الخبر الذي رواه منكرًا دلّ على أن الرجل ليس بصدوق.
- داود بن أبي صالح:
لا يعرف له إلا حديثٌ عن نافع عن ابن عمر، ولم يتابع عليه؛ فسموه منكرًا، وقال بعضهم: موضوع.
- رواد بن الجراح:
قال: جاءني قومٌ فقالوا: عندنا حديث عجيب، فقرؤوه، وذهبوا فرووه عني!
- الربيع بن يحيى بن مقسم:
قول الدارقطني: هذا يسقط مائة ألف حديث.
ناصح بن العلاء:
اضطراب الأئمة في التوثيق والجرح بحسب اختلاف نظرهم في حديثه، أمنكرٌ أم لا، وهو حديث واحد.
- عتي بن ضمرة:
قال ابن المديني: مجهول ... ، وحديثه [يُشبه] حديث أهل الصدق، وإن كان لا يُعرف.
الورقة الأولى من "تراجم منتخبة"
6) رسالة في الصِّيَغ المحتملة للتدليس أظاهرةٌ هي في السماع أم لا؟
ابتدأ المؤلف هذه الرسالة بسؤال طويل استغرق أربع صفحات، وظاهر السؤال أنه من إنشاء غيره، ففي أوله: "ما قولكم - رحمكم الله - في قول المحدّث ... ". وواضح من السؤال والمناقشة الواردة فيه وصياغته أنه للمؤلف، افترض أن هناك سائلًا يستشكل ويحاور ليظهر البحث على شكل حوار بين شخصين أو فريقين، وقد صنع المؤلف ذلك في غير موضع من كُتُبه ورسائله.
والسؤال على طوله لم يكن مجرّد سؤال، بل فيه حوار وأجوبة وإشكالات؛ غرضها تحديد مناط الخلاف، وتخليص الإشكال المراد الجواب عنه.
والمسألة التي ناقشها المؤلف هنا هي قول المحدّث "عن فلان" أو "قال فلان" أو "ذكر فلان" ونحوها من الصَّيَغ المحتملة للتدليس هل هي ظاهرةٌ في السماع أم لا؟
ثم شرع المؤلف في جواب السؤال بقوله: "الجواب ... " واختار أن هذه الصيغة ليست ظاهرة في السماع وبيَّن وجه ترجيحه، وأجاب عما يمكن أن يُعترض به عليه.
ثم ذكر مسألة مغفولًا عنها في الكتب وهي العنعنة المتكررة في الأسانيد في نحو قوله في الحديث: "حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة" ... فذكر ما في كتب المصطلح
تأويله لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فلا إذًا" بمعنى: "فلا جوازَ إذًا"، وبيَّن أنه ليس فيما استشهد به ما تقوم به الحجة.
وكان مقصود المؤلف هنا الكلام على هذا الحديث، لا على أصل المسألة، فإن للكلام فيها موضعًا آخر. ونبَّه في آخره على حديث المغيرة في إدراك النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس وهم يصلون الصبح خلفَ عبد الرحمن بن عوف وقد صلَّوا ركعة، قال المغيرة: "قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلَّى الركعةَ التي سُبق بها، ولم يَزِد على ذلك"، وردَّ على الكشميري تأويله لقوله: "ولم يزد على ذلك" على أنه لم يتدارك ركعتي الفجر.
6 - إعادة الصلاة:
هكذا عنون المؤلف هذه الرسالة، وهي ضمن المجموع السابق برقم [4693] (الورقة 10 - 26). وقد بدأها بذكر حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا تصلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين" بطرقه وألفاظه في كتب الحديث، وتكلم على معنى إعادة الصلاة، هل هو صلاتها مرتين أو أكثر، ثم أورد بعض الآثار عن ابن عمر في مشروعية الإعادة مع الجماعة، وذكر الأحاديث المرفوعة الدالة على مشروعية الإعادة، وهي عشرة أحاديث خرَّجها وتكلم على أسانيدها. وبعد الانتهاء منها عنون بقوله: "الفقه"، تكلم فيه على فقه هذه الأحاديث، وأن الأصل عدم مشروعية الإعادة، وأن دلالة الأحاديث المذكورة على مشروعية الإعادة في أربع صور، فما عداها باقٍ على الأصل. وهذه الصور هي:
1 - من صلَّى في بيته أو نحوه، ثم أدرك الجماعة في المسجد.
2 - إذا رأى إنسانًا يريد الصلاة وحدَه، فيتصدَّق عليه.
المطلب الرابع: في القرينة. وفي آخره الكلام على نسبة الهداية والإضلال إلى الله تعالى، وبيان حقيقتهما في ضوء القرآن، ومن المستحق لأن يهديه الله وأن يكون القرآن له هدًى، ومن المستحق لأن يُضِلّه وأن يكون القرآن له عمًى.
وهذه المطالب الأربعة كأنها تلخيص وتحرير لما كتبه في القطعة الأولى بأسلوب جديد.
أما القطعة الثالثة فأولها ناقص، وفيها استطراد لبيان معنى عبادة الشيطان ورد شبهة المشركين في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98]. وفي آخرها ذكر أن تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا يُعدُّ كذبًا، وهو الضرب الأول من المجمل. والضرب الثاني منه التورية، وهو أيضًا ليس كذبًا، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد غزوةً ورَّى بغيرها.
والكلام متصل بذكر معنى التورية وأمثلتها في القطعة الرابعة من الكتاب. ثم بقية المطالب إلى المطلب الحادي عشر، وقد شطب أحيانًا على الأرقام أو غيَّرها بأرقام أخرى، مما يدلُّ على أن المؤلف كان يزيد وينقص في ترتيب الموضوعات الرئيسة للكتاب واختيار عناوينها، والموجود منها في هذه القطعة ما يلي:
8 - ما يأتي الخلل في فهمه من تقصير المخاطب.
9 - المعاريض وكلمات إبراهيم عليه السلام.
10 - ما رُخِّص فيه مما يقول الناس: إنه كذب.
11 - ما ورد من التشديد في الكذب. (وقد وجدنا تتمته ضمن مسوَّدات المؤلف).
11 - مناظرة أدبية بين المعلِّمي وبين الشاعر الأديب محمَّد بن علي السنوسي.
- شرح بيت ومعناه.
- أنظام لغوية.
القسم الثالث: الرسائل العروضية, وفيه:
12 - مختصر متن الكافي في العروض والقوافي.
- نظم بحور العروض.
تنبيه: كانت هناك بعض الرسائل النحوية للمعلمي لم تكتمل كشرحه على متن الآجرومية، وتلخيصه للثمرات الجنية في الأسئلة النحوية للمالكي، ولعله أكملها لكن الموجود ضمن رسائله المخطوطة ناقص (1).
ولنبدأ بالتعريف بها رسالةً رسالةً على حسب ترتيبها في الأقسام الثلاثة من هذا المجموع.
القسم الأول: (الرسائل النحوية والصرفية):
الرسالة الأولى: اللطيفة البكرية (2):
- العنوان:
" اللطيفة البكرية والنتيجة الفكرية في المهمات النحوية"، هكذا أسماها الشيخ المعلِّمي رحمه الله تعالى، كما وجد على صفحة العنوان.
في ذلك، فاستخرجا الأبيات الموجودة في معجم لين الذي سماه "مدّ القاموس" (An Arabic - English Lexicon)، وكتاب هوويل في قواعد اللغة العربية (A Grammar of the Classical Arabic Language). وهما من الكتب المتداولة عند المستشرقين، والأول يحتوي على كثير من شواهد "لسان العرب" و"تاج العروس"، والثاني يحتوي على كثير من شواهد كتب النحو.
وكان الأولى الاعتماد على "اللسان" وغيره من المعاجم العربية وبعض كتب النحو القديمة، بدلًا من كتابي لين وهوويل، ولكن المؤلفين اعتمدا عليهما، جريًا على عادة المستشرقين في الإحالة إلى دراساتهم وطبعاتهم للكتب، وإن كانت نادرة الوجود ورديئة أو ناقصةً، فهما على سبيل المثال اعتمدا طبعة باريس من كتاب سيبويه دون طبعة بولاق التي هي أصحّ منها وأدقّ، ولكن اضطرَّا إليها للإحالة إلى الشنتمري، فكتابه في شرح شواهد سيبويه لا يوجد إلا بهامش طبعة بولاق!
وقد كان ينبغي الاقتصار على كتب الشواهد الأصيلة دون الكتب التي أُلِّفت في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، فليس فيها أيّ إضافة إلى الكتب السابقة. ولكنهما أكثرا من الاعتماد على هذه الكتب المتأخرة لأنها من كتب شروح الشواهد!
ومهما يكن من أمر فقد قام المستشرقان بصنع هذا الفهرس، وعلَّقا عليه تعليقاتٍ مفيدة (ص 295 - 313)، وحقّقا نسبة الأبيات واختلاف رواياتها، وأحالا إلى الدواوين والمجاميع الأدبية. ومما يميِّز هذا الفهرس أنه أشار إلى عدد الأبيات الموجودة في كل مصدر، وأحال إلى عدة طبعات إذا كان للمصدر طبعات متعددة، ونبَّه على أوهام وأخطاء. وقد عمل المؤلفان فهرسًا للشعراء الذين ورد ذكرهم في فهرس القوافي (ص 321 - 349)، وهو فهرس مفيد لمن يريد معرفة شعر شاعر معين.
(34) مكان "لَقُوا". والأخرى: "أخابَ" في قوله: "فما أخابَ من عصاه وأشقاه! " (22)، أراد اسم التفضيل من خاب يخيب، فقال: "أخابَ" مكان "أخيَب"، وهذه أغرب.
(5) النسخة الخطية
النسخة المصورة لهذه الخطب محفوظة في مكتبة الحرم المكي الشريف برقم 4702، وفيها 68 لوحة، واللوحة الواحدة تشتمل على صفحة أو صفحتين مكتوبتين أو إحداهما بيضاء، أو ثلاث صفحات. والصفحة تعني صفحة كاملة موفورة، أو نصف صفحة في الطول، أو نصفها في العرض، أو ربعها، أو قطعة منها سليمة أو غير سليمة من عوادي الزمن.
والخطب أكثرها مسودة، وتوجد لبعضها مبيضة أيضًا، نحو الخطبة العاشرة، إذ وردت مسودتها في اللوحة (15) وتكملتها في (14/ أ) ومبيضتها في (16/ ب). وهي كلها بخط الشيخ سواء أمسودة كانت أم مبيضة.
وقد اطلعت على الأصل المخطوط في مكتبة الحرم المكي، فرأيت أوراقًا منثورة مختلفة الألوان، متفاوتة الأحجام، وضعوها بين ورقتين سميكتين، فإنه لا يمكن تجليدها على هذا الوجه، ثم حفظوها في ظرف.
وكتبوا في الورقة الأولى (ل 1): "مجموعة خطب للشيخ المعلمي"، وتحته: "حوالي 50 خطبة". وفي صفحة أخرى في (ل 2/ ب) كتب بخط مجوّد في دائرة: "الخطب الجمعية".
لم تكن هذه الأوراق مصورة من قبل، فصورت ضمن المسودات والأوراق التي طلب تصويرها لأجل هذا المشروع.
وقد ورد بعض أجزاء هذا الباب في مقدمة المبيضة.
ثم وجدت في المجموع برقم 4706 فصلًا يشبه الفصل الأخير من المبيضة. ولكن في هذا فوائد جديدة، فألحقته بالمسودة.
* الرسالة الثالثة
الظاهر أن هذه الرسالة أقدم ما سوَّده المؤلف في هذا الموضوع، وميزتها أن لها عنوانًا، والمؤلف هو الذي سمَّاها به، وهو "أصول التصحيح".
أصلها في 28 صفحة من "مذكرة جيب" للمؤلف محفوظة في مكتبة الحرم المكي برقم 4720.
ذكر فيها بعد خطبة الكتاب الطرق المعروفة عند أصحاب المطابع، وبيَّن نقائصها. وفي الأخير اقترح طريقة هي أن "ينشئ صاحب المطبعة مكتبة، ويرتِّب فيها مصححين يتقاضون مرتَّبات شهرية، ويتولون التصحيح بأقسامه الثلاثة: المقابلة، والتصحيح الحقيقي، والمطبعي؛ وتكون المقابلة على نسخ قلمية عديدة إن وجدت أو واحدة منها".
وهذه الطريقة عند الشيخ "أصوب الطرق وأولاها بالسلامة من النقائص، على شرط أن يكون المصححون ذوي أهلية وخبرة".
وقد اتخذ بعض الناشرين في عصرنا هذه الطريقة التي اقترحها الشيخ، فأخرجوا أمهات جليلة في فنون مختلفة لا سيما فن الحديث والرجال.
****
نموذج من مجموع رقم [4729]
(1) رقم (42387). وهو عند الطبراني في "الكبير": (18/ رقم 812). وانظر "السلسلة الضعيفة" (5897).
(2) رقم (6635).
(3) رقم (3220).
(4) (1/ 369).
(1) (ص).
(2) سبق تخريجه موسَّعًا في المبيضة (ص 50 وما بعدها)، ورواية "صاحب الشرطة" في (ص 66) منها.
(1) في الأصل: "سأل" وسيأتي على الصواب في أول الصفحة التالية.
(2) غير محررة في الأصل وهكذا استظهرتها.
= بالغ بما يَرِدُ إليه من الرسائل وبأصحابها, وله في ذلك طرائف. انظر "حياة الرافعي" (ص 250) للعريان.
(1) "رسائل الرافعي" (ص 13، 15، 40، 28، 122).
(2) المصدر نفسه (ص 115). ولم يحمد الرافعي تلخيصه وقال: إنه لم يحسن الاختيار.
(3) مجلة الفتح: العدد 524، 12 محرم 1356 هـ, جـ 11، ص 1034.
(4) مجلة الفتح: العدد 543، 19 محرم 1356 هـ.
(1) والنقص في هذين الكتابين كثير، فهما غير صالحين للنشر.
(2) تمَّ نشرها للمرة الأولى بتحقيقي ووضع شرح يسير عليها عن دار عالم الفوائد عام (1421 هـ)، وقد حذفت ههنا كثيرًا من التعليقات.