تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث السادس

تلاميذه

تصدَّر الشيخ لتدريس الطلاب وإقراء العلم مبكرًا، فقد كان له عدة دروس أيام مقامه عند الإدريسي وهو في سن الخامسة والعشرين، واستمر الشيخ في التعليم ونشر العلم في كل بلد ينزل فيه، سواء في عدن أو الهند أو حين استقرَّ به المقام في مكة المكرمة. وكان الشيخ يعقد درسه في المسجد الحرام في حصوة باب السلام بعد صلاة الفجر لمجموعة محدودة من طلبة العلم الشريف (1). هذا غير الدروس التي كان يلقيها على بعض الطلاب بعد صلاة العصر.

وكان الشيخ صبورًا على الطلبة لا يسأم من تعليمهم والإعادة لهم وتفهيم مَن أشكلت عليه، يقول تلميذه محمد بن أحمد المعلمي فيما كتبه إليَّ:

"كان زملائي متفوقين عليّ بأذهانهم، وأنا كان ذهني بعيدًا عن أذهانهم في مادة النحو، فكان زملائي يحفظون بسرعة ما يلقي علينا الشيخ من شرح مادة دروس النحو، وكان الشيخ رحمه الله يعرف ذلك مني مما يلاحظه في خلال إلقاء الدرس، وبعد انتهاء الدرس وتفرُّق الطلاب يستدعيني الشيخ ويعيد الدرس عليّ ثانيًا ويكرر عليَّ الدرس حتى أفهمه ويعيد فكري ثم أسجل كل ما يلقيه عليَّ الشيخ من الشرح والإعرابات والأمثلة في دفاتري، وأكرر ذلك، وهكذا كل يوم.

[ص 94] الأحكام المستنبطة من هذه الأدلة

- مُعلَّق البخاري في القصة المروية عن زوجة الحسن بن الحسن:

قد علمت مما تقدم أن القصة لم تصح عندنا, ولا نظنها تصحِ، ولو صحَّت لكان فيها ما يُستأنس به لمنع ذلك الفعل، وهو ما فيها عن الهاتِفيْن.

وعلى كل حال، فهذه القصة لا ينبغي أن يقام لها وزنٌ أصلاً، فلو صحت ولم يرد فيها ما يدل على المنع لما كانت دليلًا على الجواز، إذ ليست من الأدلة الشرعية في شيء.

- معلق البخاري عن خارجة:

قد سبق الطعن في صحته من خمسة أوجه (1)، وعلى فرض صحته، فيجاب عنه بوجوه:

الأول: أنه إذا ثبت أن عُمُرَ خارجةَ حين قُتِل عثمان كان نحو خمس سنين، وحُمِل قوله: "شبَّان" على المجاز، بقرينة تقدُّم قوله: "غلمان" عليها، أطلق الشباب على ما يقابل الصغر المُفْرِط، فلا دلالة في الأثر على ارتفاع القبر؛ لأن الغلام الذي عمره نحو خمس سنين مهما كانت قوته يشق عليه وَثْب نحو ثلاثة أذرع على وجه الأرض، وهذا تقريبًا هو عرض القبر، فإذا لاحظنا أن القبر كان مُسنَّمًا نحو شبر ازداد الأمر وضوحًا.

ووهم من قال: إن البخاري فهم منه الرفع، وأنه لذلك ساقه في باب الجريد على القبر؛ لأن الرفع يستلزم زيادة تراب أو حَجَر على القبر، وذلك

الحافظ (1): إنها تخالفه.

ويؤيد هذا القول: أن معنى التدليس لغةً يتناوله، والأصل عدم النقل.

وأما البزَّار وابن القطان وابن عبد البر، فإنهم وإن خصوا تعريف التدليس بما ثبت منه (2) اللقاء؛ فقد فرقوا بينه وبين الإرسال بوجود الإيهام في الأول بخلاف الثاني، وهذا يدلك أنهم أسقطوا الإرسال الخفي، فلا أدخلوه في تعريف التدليس لما مر، ولا في الإرسال؛ لقولهم: "إن الإرسال لا إيهام فيه".

ومع ذلك فكلامهم يدلّ على إلحاقه بالتدليس، لوجود الإيهام فيه، فليس من الإرسال.

ولقولهم: إن التدليس إنما كان تدليسًا لوجود الإيهام. وفي هذا إيهام وأيُّ إيهام. انظر عبارة ابن عبد البر المنقولة سابقًا.

وأما كلام الشافعي، فلم أقف عليه الآن، إلا أن المدَّعى إنما هو أنه يقتضيه وليس صريحًا فيه.

وأما قول أبي حاتم في أبي قِلابة الجَرْمي "فتح" (3) (ص 67): إنه كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم لكنه عاصرهم، كأبي زيد عمرو بن أخطب، وقال مع ذلك: إنه لا يُعْرَف له تدليس. اهـ.

فيُحْمَل على الإرسال الجلي، بأن يكون مشهورًا بين الناس أنه لم

ولكننا ندع هذا، ونتمم الجواب عن بقية الأوجه التي ذكرتم.

أما الوجه الرابع (1) فقد اختلف أصحابنا على أقوال:

الأول: أن العامي يكفيه التقليد بأن الله عزَّ وجلَّ ليس في مكان.

الثاني: أنه يكفيه أن يبقى خالي الذهن في هذه المسألة.

الثالث: بل ولا يضره التردد فيها، مع نفي اللوازم الموجبة للكفر.

الرابع: بل ولا يضره اعتقاد المكان، مع نفي اللوازم أيضًا.

الخامس: بل ولا يضره أن يعتقد الجسمية على أنه جسم لا كالأجسام، بل قال بعض المحققين (2): ينبغي إقرار العوامَّ على ذلك؛ لئلا يتشككوا في وجود الرب عزَّ وجلَّ، بل قيل: يحرم التعرض لهم، بل قيل: إن التعرض لهم كفر.

وأما الوجه الخامس فإن أصحابنا يفرقون بين الخاصة والعامة، فيقولون: أما الخاصة فقد دعاهم الرسل إلى التدبر والنظر، وبينوا أن الله هو الحق وما سواه باطل، وأنه الأول والآخر، وأنه خالق كل شيء، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه لم يكن له كفؤًا أحد، وأنه القدوس، وهو المنزَّه عن كل نقص، إلى غير ذلك، وهذه إذا (3) تدبرها الخاصة وأعطوها حقها لم يخْفَ عليهم الحق.

وأما العامة فاختلفوا فيهم على الأقوال المتقدمة.

جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا

(1) انظر "باب السلام في المسجد الحرام" (ص 160) لعبد الوهاب أبو سليمان.

(1) (ص 48 - 49).

(1) في "النكت على ابن الصلاح": (2/ 614 - 615).

(2) تحتمل: "فيه".

(3) (1/ 192).

(1) تقدم الجواب على الثلاثة الأوجه الأولى (ص 94 - 96).

(2) لعله الغزالي، قارن بكتابه "الاقتصاد في الاعتقاد" (ص 8)، و"إلجام العوام عن علم الكلام": (4/ 82 - 83 ضمن رسائل الغزالي).

(3) الأصل: "وهذا إذ".

· الجزء ١ · الصفحة ١٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ١٠٤