شبهة أن العهد والأمان إنما يفسخه ولي أمر المسلمين أو الإمام
وقد يقولُ قائلٌ: إنَّ وقوع ما ينقض العهد من الأمريكان ظاهرٌ لا نزاع فيه، ولكن ليس لغير الإمام نقض العهد.
والجواب على ذلك:
] من كتاب (نقض الاعتراض) للشيخ عبد الله بن ناصر الرشيد حفظه الله تعالى، بتصرف [:
أولاً: أنَّ الحاكم المعنيَّ مرتدٌّ عن دينه، مارقٌ من الملَّة، قد نكث عهد الله الذي عهده إليه، فكيف تُعلّق به عهود هؤلاء فلا تنتقض إلا بنقضه؟
ثانياً: أنَّهم يعلمون يقينًا أنَّ الحاكم الذي إليه الإشارة خائنٌ لدينه، متولٍّ لهؤلاء الكافرين، يستحيل أن ينقض عهودهم حتّى يُنازع في شيءٍ من أمر ملكه، أمَّا الدِّين فأهون ما يبذلُه، ومثلُهُ - وإن تُنُزِّل بعدم كفره - لو كان في يده شيءٌ من أموال المسلمين ما اؤتمن عليها، فكيف بمعاهدة قومٍ يحاربون الله ورسوله في كل أرض؟
ثالثاً: أنَّ عهود الكفَّار إذا فعلوا ما ينقضها تنتقض بنفسها ولا تفتقر إلى نقض إمام، على الصَّحيح من قولي أهل العلم، وهو الذي تدلُّ عليه النّصوص الصَّريحة.
قال ابن القيِّم: ”وعقد الذمة ليس هو حقًّا للإمام بل هو حقٌّ لله ولعامَّة المسلِمينَ فإذا خالَفُوا شيئًا مما شرط عليهم، فقد قيلَ: يجبُ على الإمامِ أن يفسَخَ العَقْد وفسخُهُ أن يُلحِقَه بمأمنه ويخرجَه من دَار الإسْلامِ ظنًّا أن العقد لا ينفسِخ بمجرَّد المُخالفة بل يجبُ فسخه، قَالَ وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ الشُّروطَ إذا كانت حقًّا لله لا للعاقد انفسخَ العقدُ بفواته من غيرِ فسخٍ. وهذه الشُّروطُ على أهل الذِّمَّة حقٌّ لله لا يجوز للسُّلطانِ ولا لغيرِهِ أن يأخُذ منهم الجِزيةَ ويمكِّنهُم من المُقام بِدار الإسلام إلاَّ إذا التَزَمُوها وإلاَّ وَجَب عليه قتالُهم بنصِّ القرآن“ أحكام أهل الذّمَّة (3/ 1355).
وأدلَّة القرآن صريحةٌ في هذا، قال تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) فأنكر الله عهود المشركين، إلاَّ ما استثنى، وقال: (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) فاستثنى الله من البراءة من العهود من لم ينقصوا المسلمين شيئًا ولم يُظاهروا عليهم أحدًا، فعلم أنَّ من نقص شيئًا أو ظاهرَ أحدًا منتقضٌ عهده، وقال (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) فحكم الله في أمثال هؤلاء بأن لا أيمان لهم، وأمر بقتالهم، والحكم باستمرار عهدهم ينافي الأمر بقتالهم.
والله أعلم.