ـ لو كنت تعلم من هم لابتسمت مثلي!
ـ من هم أرجوك.
ـ إنّهن نساء عاهدن الله، ونذرن أنفسهن للشهادة.
ـ عظيم... عظيم... وهذا يسرني كثيراً، والله لقد تفوقتم علينا، وحتى على فرنسا وإنكلترا.
وقف القائد فوزي ليودع إخوانه، فقال له علي بك:
ـ لا يمكن أن ترحل الآن، فالقوات الفرنسية منتشرة في أحياء المدينة بكثافة عالية.
ـ لا تخف. القوات الفرنسية منشغلة بالمتطوعين.
لقد راقبت الموقف عن كثب.
ـ من سيرافقك في سفرك؟
ـ ولدك الأستاذ راغب إن وافقت.
ـ ونِعم الرجل الصلب راغب. لكنني أخاف عليكما إن ذهبتما.
ـ لا تخف. لن يعرفنا أحد. لقد أصبحت ملك التخفّي.
ـ رافقتكما السلامة.
في الوقت الذي رحل فيه القائد فوزي كانت حافلات المناضلين ترفع العلم العربي، وتطلق الهتافات، والنساء يزغردن تارة، ويبكين تارة أخرى، أمَّا الرجال فقد تجمهروا، وتظاهروا، وأطلقوا هتافات في حب الوطن وسقوط فرنسا وإنكلترا.
ما إن حل المساء، حتَّى كان المناضلون يتوافدون على مضافة علي بك.
الوجوه قلقة، والعيون تدور في محاجرها بحيرة، والأفواه فاغرة تتشهّى التهام الحقائق الخفية.. الأيام سكرى، والشهور حبلى بالأحداث...
كان علي بك قلقاً من تواتر الأخبار وتعاظم الأحداث... الريف يحقق نصراً تلو نصر، والمدينة مزهوّة مزدانة بشهدائها وتضحيات أبنائها البررة... اقترب علي بك من الأستاذ جلال، قائلاً:
ـ ضع المناضلين بصورة الأحداث التي جرت في المصلخة كونك كنت هناك.
قال جلال بفخر واعتزاز:
ـ لقد أوصى الشيخ كسّار ولده الصغير قائلاً: يا بني، عندما يصل القائد الفرنسي إلى هنا، ويقول لك (بونجور)، قل له: بونجور وتسقط فرنسا. وهذا ما حدث فعلاً.
احتضن الشيخ كسّار القائد فوزي والقائد العراقي فتيخان أبا ريشة اللذين بحثت القوات الفرنسية عنهما طويلاً دون جدوى، وصادف وجود الشيوخ كسّار وفارس وعبود في البوكمال ليحذّروا القائد الفرنسي فيها من التمادي في جباية الضرائب المرهقة، فوعدهم خيراً، لكن لم ينتظروا كما وعدوا، فتوجّهت قوة إلى المصلخة، وتقدّم أحد جنودها من فتاة تحمل على رأسها خبزاً، وعندما رأى في أذنيها قرطين ذهبيين سال لعابه، وهجم عليها، وما كان من الفتاة إلا أن ألقت الخبز، وهربت صائحة، وكان أخوها غير بعيد عنها، فصوّب بندقيته نحو الفرنسي وأرداه قتيلاً، وكانت هذه الحادثة هي الشرارة الأولى التي أحرقت الهشيم.