ـ أعرف أن الثمن الذي يجب أن ندفعه غالٍ، لكنه الواجب يا إخوتي، فلا حياة مع الظلم أبداً، علينا أن نذيق الإنكليز الذين يعيثون فساداً بالعراق ألواناً من العذاب، كما نذيقه للفرنسيين هنا... إلى النضال يا إخوتي.. إلى النضال.
وقف أبو ياسين شامخاً، وقال:
ـ والله إنني أكرر ما قاله غاندي يوماً:
"لستُ آسِفاً على شيء، إلا لأنني لا أملك إلا حياة واحدة أهبها لوطني".
ليتني أيها الأخوة أملك أكثر من حياة، لبذلتها والله طوعاً في سبيل الواجب والتحرير.
قال الأستاذ جلال:
ـ يا إخوتي من يرغب بالتطوع للالتحاق بثورة رشيد في العراق فليأتِ غداً بعد صلاة العصر إلى النادي الثقافي كي أسجله، وأعطيه التعليمات اللازمة.
قال علي بك:
ـ علينا من الصباح الباكر الاستمرار بالتظاهر، حتَّى يتم الإفراج عن المعتقلين، ويعود المسرّحون إلى أعمالهم، والآن أرجو منكم أن تتفرّقوا اثنين اثنين وبفاصل زمني حتَّى لا تثيروا الريبة.
أمسك ياسين بيد سلطان، وخرجا من المضافة...
لم تكن الدماء الأرمنية وحدها هي التي جمعت بينهما. لقد التقيا على صعيد الفكر والنضال والاتجاه والرأي أيضاً. فكرهما ينفي الظلم ويحارب الاستبداد، ويؤمن بالحرية والعدالة، وكانت آراؤهما مطابقة لآراء أستاذهما تحسين بك، وكان اتّجاههما ماركسياً. قرأا كتب كارل ماركس وأنجلز، وكانا متفوّقين في دراستهما دائماً، وفي كل عام دراسي كان ياسين الأول وسلطان الثاني ترتيباً.
قال سلطان لياسين:
ـ أخبرني عن أمّ المناضلات جدتك؟ كيف هي الآن؟
ـ جدتي ليست بخير، فمنذ أن تفتّت عظم ساقها، ولم ينجح الطبيب في جبرها تماماً، وهي تتّكئ على عصا عندما تسير، وتتألم كثيراً. لكنها كانت تقول لأمي: إن ياسين سيكون له شأن كبير، فلا تهمليه أبداً. كانت تحثّني على الدراسة أولاً، وعلى النضال ثانياً، وتسهر معي أثناء دراستي، فأصرّح لها بأفكاري ومبادئي، فتهزّ رأسها موافقة، وتربّت على كتفي.
ـ أم المناضلات عظيمة، وسيكون حفيدها من أعظم المفكّرين إن شاء الله. أنا أشاركها الرأي دون مجاملة.
ـ أخي سلطان، المستقبل كله بيد الله، وعلينا أن نعمل بكل ما أوتينا من قوة، وأن نصبر على الشدائد، ونحكّم عقلنا قبل عواطفنا، لنستطيع أن نرتقي. الوطن بحاجة إلى العِلم والمعرفة قبل العواطف والأحاسيس.
ـ صدقت يا أخي... فأنا معك في كل صغيرة وكبيرة.
ـ ما رأيك في ثورة رشيد؟
ـ رائعة إن كُتب لها النصر.
ـ وهل تعتقد أنها ستنتصر؟