تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كنت أظن أن مبادرة الخروج من المنزل ستخرجني من ذاتي، لكنني مثل الثور المربوط إلى الطاحون، أدور، أدور مغمضة العينين. أدور لأفتت أعصابي إلى طحين ذكرى. فلا هو يصبح خبزاً يسدُّ جوع معرفتي ولا الريح تتركني ألّمّ ما تبقى لأبقى.

حملتني قدماي إلى طريق العودة. العشاق في زواياهم الواهمة، الباعة على أرصفة الاستهلاك، والسّيارات في عرس الضوضاء، وخيوط الأرواح في كف الله. كان يجرُّ بخيطي إلى الطريق، التي لا يعرف نهايتها إلاّ هو.

عدتُ إلى المنزل لأرى رقم فهد على الكاشف. أعدتُ الاتصال به.

ـ مساء الخير يا فهد.

ـ أهلاً رولى مساء النور.

ـ اتصلتَ بي. كنتًُ خارج المنزل.

ـ نعم رولى لأطمئنّ عليكِ.

ـ أنا بخير. هل من أخبار لديك؟!

ـ لا. لا أخبار حتى الآن.

ضحكتُ هازئة. شعرَ بالسخرية في ضحكتي فقال: ما بالك؟!

ـ فهد سأحكي لك عن قصة قديمة حدثت معي في أيام الطفولة.

ـ حسنٌ.. احكي.

ـ عندما كنت صغيرة.. صغيرة جداً. كنت أرى والدي عندما يقطع عهداً لأحد يضع يده على شاربه.. وكنت أضحك من حركته لدرجة جعلتني أدخل غرفتي وأرسم شارباً كي أقلّده. وعرفت أنني لا أستطيع إمساكه لأنه شارب وهمي. فأتساءل: لو كنت أريد قطع عهدٍ فماذا أفعل. فجاءت حركة أمي الضاحكة أيضاً بأنها ستقصّ سالفها لو لم يحدث كذا وكذا. لكنني نسيت يا فهد نعم نسيت أنه لا شارب لك. ولست فقط وحدك. فهذا زمان لا يعترف بالشوارب. صارت موضةً قديمة.

ـ شكراً لك يا رولى على هذه الإهانة بمعنى أن زمن الشوارب هو زمن الالتزام.

ـ على ما يبدو.

ـ ومعنى ذلك أنني لست مسؤولاً عن كلامي.

ـ على ما يبدو. أيضاً.

ـ المشكلة أنني أقدّر حزنكِ وألمكِ ولن أغضب منك.

ـ لتغضب ما عاد يهمني أي شيء.

ـ اهدئي رولى، وحاولي أن تتفهمي.

ـ ماذا أفهم وأنت أتيت لتوهمني حباً وصدقاً ثم تسرقني وتهرب مدّعياً مساعدتي؟!

ـ أنا سرقتكِ؟!

ـ لا بل سرقت ذاتك، سرقت زوجك الراحلة، سرقت ميراثي يا فهد.

ـ أنا؟!

ـ طبعاً أنت!!

ـ ألم تنم في غرفتها؟! ألم تفتح حقائبها؟! أريد القلم والشريط.

ـ أي قلم وأي شريط؟

ـ القلم الذي يضيء وشريط الأمل لأم كلثوم!!

ـ أنا لا أعرف شيئاً مما تتحدثين. ولكن إذا كانت المشكلة قلماً وشريطاً فغداً أحضر لك ألف قلم والمجموعة الكاملة لأم كلثوم.

ـ فهد لا تتغابَ، ولا تشكّك بذكائي.

ـ رولى. أنت غير طبيعية. اعرضي نفسك على طبيب عصبي أرجوك.

روايات · الصفحة ٩٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩٣٢