لكنّ الموت هو الحقيقة الثابتة المذهلة المرعبة في آن. يفتح عليك نافذة الذهول على المجهول. تحدق في العدم وكأنك أمام وحش سيأخذك على حين غفلة ـ تحاول أن تتخيّل شكله. تحاول أن تحتمي منه. تحاول أن تخلّد نفسك. فلا تجد وسيلة للهروب منه سوى النسيان لو كنت دائم التفكير فيه لَما استطعتَ الحياة دقيقة واحدة. لأن الرعب سيشلّ حركة الأيام. ولكنّ المشكلة ليست فينا. فهل تراه سينسانا إنه ببساطة يمهلنا ضاحكاً وكأنه يقول: يشغلني عنك مَنْ هو أهم منك وسأعود لاحقاً.. فأنا حتفك!!
لم تكن فاجعتي بموت أبي قدْرَ فاجعتي بموت أمي. تعوّدت على موته سابقاً بالبُعد. لم تجمعني به ذكريات كثيرة. كان مثل الطيف الذي يزورني كلما ذكرته أمي. لكن أن تموت أمي فتلك هي الكارثة لأنها وضعتني بكل عُريي أمام أعاصير الخوف. كان ذراعاها شالاً من الدفء حريريّ الملمس وكانت عيناها نافذة المدى. وعاد الموت أخيراً ليخطف ما لم أتوقعه، ليخطف عكازي على الحياة. إنه يتبعني بكل خطوة. إنه حولي، داخلي لكن لماذا أظن أنه مخيف؟! هل لأنه المجهول الذي يترك لك كامل الجسد، ولكن لا حياة فيك. لستُ أدري. أرجو أن يكون الموت صديق أحبابي وراحتهم الأبدية. ولكن ما أدريه أنني مذهولة وأن ملايين الأسئلة تتزاحم في عقلي تريد الإجابة عليها دفعة واحدة. لعل الهروب من التفكير أسلم طريقة للهروب من الخوف. بسرعة أمسكت سماعة الهاتف لأحادث المكتب الذي أعمل فيه. ردّ لؤي بتثاقل: ألو نعم!
ـ مرحباً لؤي.
ـ رولى؟!! وأخيراً خرجت من ذاتك.
ـ كيف حالك لؤي؟!
ـ تمام.. بأحسن حال وأنتِ؟!
ـ في غاية الملل.
ـ أما آن موعد العودة للعمل يا رولى؟!
ـ ليس بعد.
ـ فات أكثر من شهر الآن.
ـ نعم أدري لكنني بحاجة إلى تمديد إجازتي فأرجو أن تقدم لي شهراً آخر بلا أجر.
ـ رولى ألست صديقك؟!
ـ نعم ـ لؤي!!
ـ ألا تسمعين نصيحة صديق؟!
ـ طبعاً.
ـ إذاً لا جدوى من تمديد الإجازة. العمل حالة ديناميكية تخرجك من جو الروتين لتجدي نفسك على طريق النسيان.
ـ لؤي. مللت الخروج من الروتين إلى الروتين ولكن مع هذا كلامك على ما يبدو صحيح.
ـ إذاً ستأتين غداً.
ـ لست أدري.
ـ رولى لن أمدد لك الإجازة حتى الغد.
ـ حسنٌ لؤي.. أشكرك.
ـ رولى لحظة.
ـ ماذا لؤي؟!
ـ تقوم الدائرة برحلة إلى الجبال. فما رأيك بالذهاب معنا؟
ـ الجبال؟! لا.. أبداً.. أبداً.