ـ لست أدري. أخاف أن ينهار هذا العملاق أمامي. لتخذلني كلّ الدنيا إلاّ هو.
ـ عملاق؟! إنه ببساطة إنسان عادي وأقلّ من عادي.
ـ أنت لا تعرفينه.. لو كان عاديّاً لما تهافتت عليه كل النساء.
ـ أي نساء يا ميس. إنهن ببساطة عوانس آخر زمان.
يسعدهن بألفاظٍ لم يسمعنها مطلقاً.
ـ وهل أنا عانس يا رولى.
ـ لا أنت مطلّقة يا ميس.
صمتتْ فجأة وأطرقتْ طويلاً ثمّ قالت: وما يعني هذا يا رولى.
ـ أربكتْني وشعرتُ بالأسف لكنني تابعتُ: أنتِ بالنسبة له فريسة سهلة, خاصة أنه يعرف بأنكِ تحبينه.
ـ هكذا ترين الدنيا يا رولى.
ـ أي دنيا يا ميس؟! أنا لا أرى شيئاً, بل اسمع قصصاً تقشعرّ لها الأبدان.
ـ مسكينة أنت يا رولى!!
ـ كلنا مساكين يا ميس.. كلنا مساكين.
اختارت زاوية واخترتُ أخرى. جلست أفكر بما قالت وأعلم أنها تفعل الشيء ذاتهُ. بعد حوالي نصف الساعة نظرنا في عيون بعضنا بعضاً ثمّ أطلقنا في وجه الأيام ضحكة يائسة. وجمعنا سرير واحد إلى صباح الغد.
جلستُ طوال الليل أحادثها دون صوت. هاأنذا يا ميس مهندسة في شركة كبيرة. لي بيت وسيارة ورصيد يكبر يوميّاً في البنوك, وينقص يومياً من عمري, يأخذني الواجب بعيداً عن نفسي, يسرق مني شباباً ما عرفت قيمته إلا بعد أن رسم الحزن خطوطاً ناعمة تحت عينيّ, فعندما رفض والدي زواجي من وليد لاعتبارات اجتماعيّة في زعمه. رفضتُ الزواج من غيره إلى أن كواني القدر بوحدة أبديّة, ومع هذا لم يفعل ما فعلت. كواني أيضاً بزواجه من غيري, وأنا لا ألومه, فأنا من نذرتُ نفسي للهلاك. للأيام تركض على ملامحي ركض العابث المستهتر. لعلّه فكّر جيّداً. وهاأنت أيضاً يا ميس تدفعين ثمن حبّكِ طلاقاً وضياعاً. يجب أن نتحوّل.
فالماضي ذكريات تالفة, والحاضر تعاسة مخيفة. بقي أمامنا المستقبل.
لا بدّ من المستقبل. إنه النافذة الوحيدة على الحياة, والأمل مفتاحها, ولم يفت الأوان بعد. سأقهر كلّ أفكار اليأس وأمضي إلى الأمام.
نظرتُ في وجهها. لم أجد فيه سوى علامات السخرية وكأنها تجيبني بالتهكّم ذاته. في الصباح رميتُ الغطاء عنّي كمن يرمي الماضي كلّه في حاوية.
قمتُ رشيقة جداً. تناولت جرعة أخبار, وحبة أمل, وأخرى للنسيان, وتقدمتُ من ميس.
ـ هل تذهبين معي إلى السوق فأنا اليوم في إجازة؟!
ـ لا.. أنا متعبة. اذهبي وتمتّعي بوقتك.
ـ هل تودين أي شيء من السوق؟!
ـ أرجوك أحضري لي مسكناً قويّاً أو منوّماً.
ـ أتشكين من ألم ما؟!