وبرغم أن تعامل قاسم في هذا المجال كان مريحاً فقد كان وضع الأخوات يختلف عن وضع باقي الفتيات في القرية حيث كن يتصرفن بحرية، فإن ذلك لم يكن مصدر فخر لمريم، بل كان يبعث في نفسها الأسى.
وهكذا قررت أن قاسماً أيضاً لا يشكل خطراً كبيراً. واستدركت أن عائشة هي الوحيدة التي سيثيرها الأمر، ولهذا راحت شماء وفاطمة يبالغن بكتمان الموضوع كي لا يصلها.
وسرعان ما سلمت مريم بتحليلاتها تلك لتنتقل إلى الموضوع الأكثر إثارة. ما الذي في الرسالة؟ لم تقرأ أبداً رسائل حب، وبالتالي لم تكتبها، حاولت أن تتخيل نص الرسالة:
"حبيبتي". وشعرت بالرعشة تجتاح جسمها، يا لسحر تلك الكلمة! وخيل إليها أنها لم تسمعها أبداً في حياتها، حتى من أمها.
لقد اشتقت إليك كثيراً وأود أن أقابلك.." وتراجعت فوراً عن هذه الجملة، فأختها شماء عاقلة وناضجة ولن تسمح بذلك، لكنها من المفروض أن تحبه أيضاً، تساءلت، وسرعان ما وجدت الإجابة: ولهذا فهي تراسله.
إنهما لا يلتقيان بل يتراسلان فقط، وارتاحت لهذا التفسير، وسيكتفيان بذلك. هكذا قررت. وبعد أن عجزت عن صياغة باقي الرسالة قررت أن تراقب شماء وفاطمة في المرة القادمة بمزيد من الدقة، فقد يكون كل ما تفكر فيه مجرد أوهام.
مرت ساعات أدت مريم خلالها أعمالاً كثيرة، لكنها كانت طوال الوقت في عالم آخر، وحان وقت النوم. دخلت فراشها وراحت تفكر من جديد، ولكن ليس في مضمون الرسالة ولا الجريمة الرائعة التي ترتكبها أختها. لقد أوصلها تسلسل أفكارها إلى شيء آخر.
لدى أول مرة في حياتها راحت مريم تحلم بخوف وخجل بحبيبها. كان رائعاً لا تعرف اسمه ولا تستطيع أن تتخيل شكله، كان يكفيها أن تتخيل حبه لها، لأنها لا تريد سوى هذا الحب، إنها متعطشة له، فيداه لا تقويان إلا على مداعبة وجهها، ولسانه لا يقوى إلا على ملاطفتها، وقلبه الكبير سيدق عازفاً لحن حب لها يعلو ليذيب كل الأصوات الأخرى بداخلها. ستنتشي بهذا اللحن، وتعانق أيامها لتطير بها مبتعدة عن زمن عجوز يحبو ببطء نحوها لينتزع ما يولد في روحها من الحياة.
وأغمضت عينيها حين غافلها النعاس، وروحها تحلق في فضاء لا متناه من السعادة.
13
كانت مريم تدرك أن أسبوعها سيكون طويلاً لأنها لا تحب ولا تجيد الانتظار، لهذا ستحسب الدقائق والساعات فيوم الخميس يبدو لها بعيداً، إذ فيه وبعد قدوم شماء ستحسم الأمور وتشبع فضولها وتكشف السر.