تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت الأم تدرك أنها بكلامها هذا ستنقذ الموقف وستحصل على موافقة قاسم، إلا أنها شعرت بضيق شديد في صدرها، فقد قدمت للتو رشوة كبيرة لابنها هم في أمس الحاجة إليها.

صمت قاسم، فقد كان العرض مغرياً له. إلا أنه ارتأى أن لا يفصح عن الموافقة مباشرة حفاظاً على ماء وجهه، فقال:

-لا أعرف ماذا أقول، فأنا بالأساس يهمني أن نحافظ على الأرض وأن لا نبيعها بالأجزاء، ولكن –وتردد- إذا لم يكن من مخرج آخر فما العمل؟ على كل حال دعيني أفكر.

أحست الأم بأسى عميق يجتاحها حين رأت ابنها يتعرى أمامها تماماً ليكشف عن انتهازيته الكبيرة، لكنها كتمت حزنها بداخلها ورسمت ابتسامة مفتعلة على وجهها وقالت:

-لا تقلق يا بني، فسيرزقك الله إن شاء في المستقبل وتشتري ماتود من الأراضي.

انتهى النقاش وخرج قاسم، ولم تقم الأم لتطمئن شماء التي تنتظر بقلق في الغرفة الأخرى، بل بقيت جالسة في مكانها تعبث بخيوط الحصيرة البلاستيكية تشدها وتقطعها دون أن تعي، وتمسح دموعها بين حين وآخر.

لم يفكر قاسم طويلاً في الأمر، فسرعان ما قدم في المساء وصرح بموافقته.

وبيع دونمان من الأرض ودفع ثمنهما أقساطاً للجامعة. سافرت شماء إلى العاصمة وباشرت دراستها، وقد واظبت منذ البداية على الحضور أيام الخميس والجمعة لتقضي عطلة الأسبوع مع أسرتها.

وما إن مضى شهر حتى بدأ قاسم يلح بالأسئلة على أمه عن موعد دفع المبلغ. وكانت الأم تصبره وتؤكد بأن شماء ستحصل على منحة قريباً وسيستردون ما دفعوا. بعد شهرين من بدء الدراسة حصلت شماء على المنحة واستردوا المبلغ. اطمأنت الأم، فبرغم تأكيدها لقاسم كانت نفسها تشك بذلك، ولم تخلف بوعدها فأخذت النقود من شماء حين حضرت يوم الخميس لتسلمها لقاسم، فاحتجت شماء:

-هل ستعطينه المبلغ كاملاً؟ أبقي على الأقل جزءاً قليلاً منه لتشتري خزانة جديدة للملابس، سندفع قسطاً أولياً، وأتعهد أنا بباقي الأقساط من مرتبي الشهري.

فردت الأم:

-الخزانة التي لدينا توفي بالغرض، أما قاسم.. وصمتت بعد أن تنهدت ثم استطردت: -أرجوك يا شماء، لا داعي لإثارة المشاكل. احمدي الله أنك الآن تدرسين، ولنعتبر هذا المبلغ غير مسترد.

لم تصر شماء على موقفها، فقد بدا لها بالفعل أن دراستها تستحق التضحية، وبأنها لابد أن تعوض كل ذلك بعد تخرجها.

روايات · الصفحة ٨٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٨٤٧