تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سمعت عائشة باب الباحة الخارجي يفتح. فوضعت المشط جانباً وأزاحت مريم عنها ونهضت لتواجه قاسماً:

ـ مليح أنك لم تتأخر، فقد قطع قلبي بكاء أبي، لكني خفت أن أفك رباطه وحدي فقررت انتظارك.

لم يعلق قاسم على كلامها وتوجها نحو الأب، وحين رآهما قال بصوت باك:

ـ أرجوك يا عائشة! إن يدي تؤلمانني. فك رباطي يا قاسم ولا تكونوا بهذه القسوة.

فكا رباطه بحذر خوفاً من أن يثور انتقاماً. لكنه حين تحرر راح يحرك جسمه بضعف معدلاً من وضعه في الفراش ثم يتأوه من الألم. جلس قاسم إلى جانبه قليلاً ثم هتف ببرود:

ـ إنك تجني على نفسك بنفسك، فلا تفعل ذلك مرةأخرى.

لم يجبه الأب واستمر بتأوهاته. فسقته عائشة ماء وهي تسند رأسه بيديها، ثم عدلت غطاءه، وباشرت بإعداد طعام له فخرج قاسم وبقيت هي تساعده على الأكل، بعد ذلك أخذت تمسح أرض الغرفة بالكيروسين فقد غطاها الذباب من جديد.

في ذلك اليوم وجدت شماء حلاً لمشكلة البصاق اعتبره جميعهم حلاً عملياً، فملأت تنكة حديدية بالتراب ووضعتها بجانب فراش أبيها كي يبصق فيها كلما أراد.

وكلفت فاطمة مريم بتغيير التراب كلما تطلب الأمر.

بقيت تلك التنكة بجوار فراش الأب إلى أن مات!

بعد فترة من الزمن وجد قاسم الشخص الذي وافق على شراء جزء من الأرض، لكنه اشترط شراء خمسة دونمات وليس ثلاثة كما تقرر. لم يكن هناك من خيار آخر فوافقت الأسرة. ولأن المبلغ الذي سيستلمونه يزيد عن حاجة قاسم لشراء الخشب وأدوات البناء، اقترحت عائشة أن يذهب معهم العم إبراهيم كي يستلم ثمن الأرض، حيث يعطي قاسماً مايحتاج ويبقي الجزء الآخر عنده أمانة.

تساءلت الأم: ـ ولماذا؟

أجابت عائشة:

ـ في الحقيقة أنا أخاف أن تبقى النقود في البيت بمتناول يد قاسم.

فردت الأم:

ـ ومن قال أنها ستكون بمتناول يده، سأجد لها مخبأ لن تطاله الجن!..

ـ لكن قاسماً سيطاله، دون أن يتعب نفسه بالبحث. يكفيه أن يتمسكن قليلاً أمامك لتمنحيه كل ما بحوزتك!..

هزت الأم رأسها ولم تجب شيئاً.

تقرر ذلك بعد موافقة العم إبراهيم، إلا أنه طلب أن يخفوا الأمر عن قاسم تفادياً لحصول مشاكل قد تعيق عملية البيع، حيث سيشرح له الأمر بنفسه فيما بعد.

استيقظوا مبكرين في ذلك اليوم. وبعد أن ذهبت الأخوات إلى المدرسة، بدأت عائشة تحضر ملابس نظيفة لأبيها، في حين راح قاسم يساعده على حلق ذقنه. فيما ظل هو يحدق صامتاً في نقطة أمامه، ثم هتف فجأة وبلهجة ممتعضة:

روايات · الصفحة ٨٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٨٣٣