انطلق الجميع عدا قاسم، فقد تعود أن يقضي سهراته خارج البيت بعيداً عنهم.
ولسوء حظهم في ذلك المساء وبعد وصولهم بيت العم إبراهيم قطع التيار الكهربائي. اضطروا أن يقضوا السهرة في ضوء الشموع. ولعل ذلك كان عاملاً مساعداً على الحديث دون الجلوس ومراقبة التلفاز الذي قد يشدهم وينسيهم همومهم اليومية.
جلسوا على الشرفة وأضيئت الشموع، فارتسمت سريعاً على الحيطان خيالات الجالسين مضخمة. وبدت كأشباح ظهرت ما إن أطفئ ضوء التيار.
استلقى العم على فرشة واضعاً نارجيلته أمامه وطوى الكتاب بجانبه.
ثم جلبت زوجته ما لديها من فواكه كضيافة، وراحت تقشر البرتقال بالسكين محاولة ألا تفسح المجال لأحد آخر كي يقوم بذلك، لأن منظر تقشيره باليدين وخاصة حينما تتسخ البرتقالة البيضاء بعد إزالة القشرة الخارجية بالأظافر كان يثيرها كثيراً.
بدأت الأم الحديث، وسرعان ما قاطعتها عائشة بنبرة هادئة فشرحت موضوع بيع الأرض وعمل قاسم بلغة معقولة مقنعة.
سحب العم نَفَساً عميقاً من نارجليته قبل أن يعلق على كلامها، فاستغلت زوجته الفرصة لتدلي بأسئلة مستوضحة التفاصيل. وأجابتها الأم. كان العم قد حصل بذلك على فرصة لمزيد من التفكير ووزن الأمور قبل البت برأي نهائي، وقال:
-أنا أتفق مع عائشة في الرأي. فقاسم يبحث دائماً عن مبررات للهروب من العمل. أما إذا انصعنا لرغبته وقدمنا له ثمن أدوات البناء فلن يكون أمامه من سبب للتهرب. على الأقل نكون من جانبنا قد وفرنا كل ظروف العمل. وآمل أن يكون ذلك حافزاً له للالتزام والانتظام. وهو في الحقيقة شاب ذكي وبإمكانه النجاح لو أراد. ولكن يقلقني من جانب آخر أن يغريه منظر النقود فيعود سريعاً إلى عاداته السيئة. يجب أن يكون هناك ضمانات، يجب عليه أن يفهم أن الأرض ستباع من أجل عمله، كي يصبح معيلاً لأسرته وسنداً لأخواته. لا من أجل ترف يوم أو يومين.
وأخذ نفساً عميقاً من نارجليته ثم استطرد:
-على كل حال لا أريد افتراض الأسوأ منذ البداية. ولنأمل خيراً، خاصة إذا كان يؤكد بأنه يجيد المهنة ويهوى ممارستها. لنتكل على الله، فلعل ذلك يكون بشير خير للأسرة ولنفسه، فالعمل قد يصقله ويصنع منه رجلاً مسؤولاً.
فقالت الأم مؤكدة:
-نعم. لقد كان متحمساً، وشعرت به صادقاً برغبته في العمل والاستقرار.
فرد العم: -هذا جيد. فلنتكل على الله إذن وأعتقد أن ثمن ثلاث دونمات سيكون كافياً.
ووافقته الأم وعائشة: