ـ في الغد يا إخوتي قد تنفجر الشرارة الثانية من دير الزور. ستقام مباراة في الملاكمة بين /فريد عليوي عضو نادي الجراح وملاكم فرنسي مشهور اسمه نيكولايدس/، والحكَم فرنسي، لذا سينحاز الحَكَم حتماً إلى الملاكم الفرنسي، وهذا ما سيغضب الجمهور، فأرجو أن تأخذوا المزيد من الحيطة والحذر، والاستعداد لقتال ربّما يكون ضارياً. راقبوا الطرقات، وانصبوا الكمائن، ودعوا القناصة يحتلون أماكنهم على الأسطحة، فربما يكون الغد حاسماً إن شاء الله.
قال أبو ياسين:
ـ أتسمح لي أن أدع زوجتي وأمها تأخذان مكانيهما في ساحة الأحداث؟
ـ لا يا أبا ياسين. ليس الآن أرجوك.
ـ لكنني أحتاج إليهما في نقل الذخائر والمتفجّرات.
ـ إذن أوافق بحدود ضيّقة أرجوك.
ـ كما تريد.
وجرت المباراة في الموعد المحدد، وقد تجمّع مئات من المتطوعين الشباب، وكل واحدٍ منهم يخفي مدية وعصا عجراء في ثيابه ينتظرون اللحظة الحاسمة، وصعد الملاكم الديري وحيّا الجماهير المحتشدة، فصفّقوا له طويلاً، وعندما صعد الملاكم الفرنسي حيّا قادة الاحتلال الجالسين على المنصة، فبادلوه التحية والتصفيق أمام صفير الجماهير.
أطلق الحَكَم صافرة البدء، فأخذ الملاكمان يتراقصان قليلاً ويدوران في الحلبة، والحَكَم يتابعهما باهتمام. أخذ الملاكم الديري زمام المبادرة، فوجّه اللكمة تلو الأخرى على وجه الملاكم الفرنسي حتَّى أدماه، وضربه ضربة أخرى مصحوبةً بتصفيق الجماهير، فترنّح الملاكم الفرنسي على أرض الحلبة، والصيحات تتالى: الله أكبر... الله أكبر وعندما شعر الحَكَم أن الملاكم الفرنسي لم يعد يقوى على الوقوف أنهضه ورفع يده عالياً منهياً المباراة لصالحه معلناً للجماهير أن الملاكم الديري لم يلتزم بقواعد اللعبة فضرب الملاكم الفرنسي بمكان ممنوع جعله يئن ويترنّح، فوقف الشاعر توفيق قنبر متحدّثاً بالفرنسية كلاماً قاسياً، ثمَّ ارتجل قصيدة شعرية أججت المشاعر، فهاج الشعب، وأخرج كل واحد منهم مديته وعصاه، وهاجموا الفرنسيين، فقتلوا عدداً كبيراً منهم، وجرحوا عدداً أكبر، حتَّى أصبحت حلبة الملاكمة وما حولها ساحة حرب دموية، وخرج الشعب بتظاهرة كبيرة أحرقوا فيها ثلاث سيارات فرنسية، ولم تنته هذه الثورة إلا باستخدام العنف، فاستشهد عدد من المناضلين، وألقوا القبض على واحد وخمسين مناضلاً أودعوهم السجون، ,وأصدروا أحكاماً قاسية على المناضلين الفارّين وعلى رأسهم المناضل توفيق، قال علي بك وهو يهز رأسه: