كان كل شيء في الساحة ساكناً وكأنه استسلم لحالة موت مؤقت.
أنصتت إلى الأصوات التي تأتي من الشارع، سمعت أحاديث خافتة من بعض المارة علت شيئاً فشيئاً، ثم عادت للهبوط تدريجياً مع ابتعادهم. وعلا صوت موسيقى ممزوج بصوت محرك سيارة وابتعد مسرعاً مع عجلاتها، ثم عاد السكون ليخيم من جديد باعثاً في نفسها الضجر. فقامت متجهة إلى الغرفة، حيث استلقت أمها على فرشة تراقب التلفاز في حالة ما بين النوم والصحو. وجلست فاطمة منحنية على كتاب تقرأ فيه. أثار مريم انحناءُ ظهرها فقالت:
-عدلي من جلستك وإلا ستصبحين قريباً كالعجوز الحدباء!
استفز الكلام فاطمة واعتبرته شتيمة فردت:
-سأبقي استقامة العود لك!
ضحكت مريم. ليكن. شجار عابر لا يضر، بل على العكس، فقد يقصر المسافة بين الدقائق التي أخذت تبدو أكثر طولاً من ذي قبل. وراحت تنظر إلى المرآة المعلقة على الحائط وتتأمل نفسها.
حديثهما أيقظ الأم، فنظرت حولها، وتأوهت من ألم ما في أحد جنبيها ثم قالت لمريم:
-ما لك تروحين وتجيئين، جدي لنفسك مكاناً واجلسي فيه، ثم كفي عن النظر في المرآة لأن ممارسة ذلك ليلاً خطيئة لا يحبذها إلا الشياطين.
اقتربت مريم من أمها فجلست بجانبها وقالت مداعبة:
-وهنا المشكلة يا أمي، إنني لا أستطيع أن أجد لنفسي مكاناً.
وطبعت قبلة على جبينها. فقالت الأم:
-حسناً. حسناً. بما أن حركتك سهلة قومي واجلبي لي كأس ماء من المطبخ فقد جف ريقي.
وكانت الأم تعاني من مرض السكري الذي يجعلها عطشى دائماً.
كان المطبخ عبارة عن إحدى تلك الغرفتين الطينيتين، بعد أن تركتهما الأسرة لتسكن المنزل الجديد، وبقيت هاتان الغرفتان تحملان في زواياهما ذكريات سنين طويلة لحياة أسرة فقيرة، أما مريم فقد رسخت في ذاكرتها وإلى زمن طويل قادم بقايا ليال من الطفولة كان يعجنها أبطال القصص والخرافات التي كان يرويها الكبار في سهراتهم أيام الشتاء وهم متحلقون حول مدفأة يسكبون الشاي من إبريق وضع على سطحها، يرتشفونه، ويشرعون برسم العالم خارج الجدران التي تحيط بهم غامضاً، معتماً ومرعباً، فتلتصق هي بأمها حين تسكب تلك القصص في ذهنها وفكرها كما كانوا يسكبون الشاي الساخن في كاسات زجاجية صغيرة وشفافة. فتحرقها، تؤلمها محدثة غشاوة دائمة على شفافية عالمها البريء.