قال ما خُلق الإنسان إلا ليكون حراً، ذلك أن في أعماق نفسك منطقة حراماً، لا تطالها يد الغاصبين، ولا تنقاد أبداً لحبل العبودية. فأنت حر، ولو كره الذين يريدون لك العبودية، وحريتك من عند الله لا يمن بها أحدٌ عليك.
فانظر إلى نفسك يا هذا، وتأمل كيف أحكم صنعها الله، فهي لا تفصح لأحدٍ عن ماهيتها، فهي مستودع الأسرار، والجواهر المكنون، وطلسم الطلاسم، وشاشة التجلي.
ليس ثمة من يجرؤ على القفز من فوق حصونها، فهي آية الله، ولا تشهد إلا له وحده بالألوهية، ومطلق الربوبية.
فاغبط نفسك على ذلك، وجاهر بحريتك و لاتخشَ إلا الله، ولكن تذكر وأنت تمجد الحرية، أنك لست حراً إلا بمقدار ما أنت مسؤول. لست حراً إلا بمقدار فهمك ووعيك لماهية الحرية.
فأنت حر، مادمت تخدم بحريتك قيم الحق والعدل والجمال، فكن حراً لامن عبودية الآخر فحسب، ولكن من عبودية نقصك أيضاً، فانشد بحريتك الكمال، فهو السراط المستقيم.
وقل الحمد لله الذي خلقني حراً ولم يجعل لأحدٍ سلطاناً على نفسي إلا هو.
ربي أحيني حراً، وأمتني ميتة الأحرار الأبرار.
قلت أوصني كيف أكتب؟
قال لا تحرك لسانك بما ليس في قلبك، فذلك من ترف الثقافة، وترف الثقافة كالتجشؤ الذي يعقب الامتلاء والشبع، وهو ليس من الكتابة في شيء.
لا ولا تمتح من زبد البحر فتخط بيمينك مالا يبقى ولا ينفع الناس. بل كن كمن يضغط على جرحه بشدة فيظل ينزف إلى الرمق الأخير. أجل... فالكتابة حالة من حالات الموت.
ولا تسود صحائفك بالمداد المتخثر، بل حَبِّرها بالدماء الطازجة الحمراء، حتى إذا ما أخذت الحروف والكلمات تمسك برقاب بعضها وتشابكت تشابك النسيج في الكساء. قل لها ابتغي لك مكاناً في دولة العلم، فيومئذ تراها تسعى. وكن حطاباً قوي الهمة، ضع فأسك على كتفك وخذ حبلك بيدك، واقصد غابة اللغة العذراء، ثم احتطب ما طاب لك الاحتطاب. فإذا حزمت من لغة الحياة، ما تستعين به في شتاء الحياة، أوقد نارك على كل التلال، وفي تلك الدروب العفراء التي تمشي عليها قوافل الأجيال، وأضرم حطب اللغة، وكن علماً لا تخطئه العيون، أضرمها ناراً ونوراً يضيء عتمة الكون، وقل لحروفك وكلماتك اشتعلي وتأججي وتوهجي، ثم كوني برداً وسلاماً لكل العابرين.
***
لكن قلبي يتهشم ثم يحترق..
وأنا أنظر من بعيد، فيرجع بصري خاسئاً وهو حسير.
آه... يا لقسوة ذلك المنظر، فلو أنني وقد أبصرتها.. تلامس عيناي عينيها فتراني كما كنت دائماً أراها.