تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مزمار عاشقٍ يئن في موهن الليل.

قصيدةً تتلوها الرياح فتسمعها البساتين.

صوتك القديم يا سيدتي.. لقد كان أول من دعاني وكنتُ أول من لبَّى الدعاء، وطفقتُ أعدو في الخلاء السرمدي المهيب، في الفراغ الذي يتمدد فيه الرعب والهول وليس له نهاية، أفزع فزع الظليم المذعور وليس أمامي سوى البيداء... وهذا النداء.

نداؤك يا سيدة السراب الأزلي.

يا متاهة الحلم والرؤيا، وشاطئ الهلاك الأكيد.

بيد أن العيون محض افتراض وأضغاث أحلام، وصوتكِ الهامس وهمٌ كحياتي، كنهر السراب الذي يجري في فجاج الظمأ الفطيم.

وجنائن الأقحوان التي عهدتها تنهض مع أبي في غبش الفجر وتشرب من يديه عندما يتوضأ للصلاة.

هل كان صوته مع أول الفجر يملؤني حنيناً وهو يتلو سورة الرحمن.

هل وشوشت مسبحة اللالوب في غفوتي وسكينتي المطمئنَّة.

هل أكمل الشيخ الجليل أوراده ثم مضى يتوكأ في دروب الحياة، لقد أقسم أنه كلما ذهب يحتطب من غابة السيال، يسمع القمري وهو ينشد ويقول....

رزقك الأرض والنهر يا والد العيال..

وكفاك الله الهوان وشر السؤال..

لقد أقسم الشيخ أن القمارى ناشدته الله في كل الصباحات الباكرة.

وإذن.... فأين الإبريق النحاسي والزمزمية....

وأين الركوة التي قيل أنها كانت لوليٍّ من أولياء الله يصلي الفجر في البيت الحرام ويعود ضحىً لحوارييه في خلوة مليط؟

بل أين السيف والمصلاة العسجدية....

ومسبحة اللالوب واللوح والدواة

والمصحف العتيق...

ولوحة الكعبة والأقصى ومسجد الرسول.

وراتب الإمام وذكرى المهديه...

وروح عبد الفضيل..

وعبد القادر إمام.

والقرشي الأول

والدماء السخية التي سُكبت على ضفاف النهر الخالد..

في مذابح الضلال القديم تموت الكائنات قرباناً لصنمٍ معبود، لقد كانت تُساق إلى جحيم المأساة كما تُساق الأضحيات، لقد كانت فديةً لسواها من الملوك والقديسين والكهنة.

بيد أني أسوق نفسي إليك يا سيدتي قرباناً وأضحيةً، وأسفحُ دمي على أعتابكِ كل يوم ولم أكن فداءً لملكٍ أو كاهن.

فأنا لست قرباناً إلا لأجلك ودمائي لا تسفح إلا لمثلك أيتها الأنثى النبيلة.

ليكن سعيي إليك قنوطاً ويأساً، ولتكن دمائي التي سفحتها على مواطئ قدميك لهواً وعبثاً، ولتكن قصائدي المفجوعة بين القوافل جنوناً وسفهاً.

ليكن مالا مناص من أن يكون...

روايات · الصفحة ٧٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٧٧٣