أموتُ شوقاً إليك يا سيدتي، وأهذي باسمك محموماً على الطرقات هذا أنا يامليكة البحار التي تنام تحت أمواجها روحي..
هذا أنا يا صاحبة الأناشيد التي ما فتئت تدق أجراسي...
هذا أنا أمشي إليكِ خاشعاً كالأحبار والرهبان في عيد العذراء البتول متعثراً في صبابتي، تنظمني وتنثرني ألحان شبابتي.
أحمل على ظهري تابوتي وأكفاني، وأشق الهول أطلبك قبراً لنفسي في الضريح الكبير.
أواه... يا صاحبة الناي الحزين والنداء المفجوع، أي بيداء موحشة بيدائي أيُّ صحراء تسكنها الغيلان والأِشباح صحرائي.
فيا ليالي الشتاء والثلج والمطر...
يا موقد النار والشهوة.
يا هزيم الرعد البعيد.
يا جسر الظلام القتيل، وسراط البرق
يا رعشة الذبيح في المحراب، ودمعة الثكلى.
يا شهقة الملاحف الباردة، وضجعة الموتى
يا أيها المعلوم والمجهول.. تلطف بالدنف الذي يعدو خلف السراب الأجنبي البعيد.
يا سيدة البكاء والنواح...
والليل حيٌّ يشيع جثمان الصباح
وأنا ابن السبيل، وابن الشهور
أسعى إليك فزعاً مع الرياح التي يتنفسها السديم
آتيك مجبولاً من سكينة الكتابة، وكتابة السكينة
وحشرجة الحرف الشهيد تحت سنابك الليل.
وصهيل الدماء التي أضرمها الشوق.
سيقتلني هذا النزيف يا سيدتي، وسأموت مسحوباً على وجهكِ الذي ملأ الأرض عيوناً وضفائر وعانق السماء بنحر الصلاة.
ولسوف يخرج من هامتي طائراً يعوي ويصيح... يصيح في حرقة الظمأ للدماء والثأر يقول اسقوني.. اسقوني شربةً من أصل الحياة وأصل الفناء.
أيُسكته الرصاص الذي يمشطُ ضفائر الأطفال...؟
أم دوى قنابل اللهب على جنبات وادينا والبيوت...
أيُخمد ثورته قهر الطغاة، أم يُحبس في قفص المأساة الخالدة.
أيُصلب في ساحة المدينة الباكية، أيرجم في البيت الحرام..
أم سيُلقى للكلاب تنهش من لحمه في الليل.
لكن هامتي يا صاحبة الشفاه المضرَّجة بدماء شهدائها، تُفرخ في الليل آلاف الطيور التي تصيح، ولن تعود إلى هامتي المتعبة حتى ترتوي... لن تعود حتى يبلغ سيل الدماء الزبى.
وتغوص الخيل الصافنة في تلك الروابي بحر الظلمات المتلاطم منذ الأزل.. فإذا تلونت مناقير تلك الطيور بمداد الحياة الذي لا ينضب.... عادت إلى وكرها الآمن، واستوت هامتي على التراب راضيةً مطمئنة.
والليل يا سيدة الجياد والصهيل..
ليس في الكائنات له شبيه و لا مثيل.