عاد ناصر إلى بيت أهله يجر خطاه الثقيلة، بيت زهري الحايج يعملون منذ زمن بعيد في (حياكة البسط)، وفي حوش بيتهم توجد (جومتان) يعمل في واحدة أبو ناصر وفي الأخرى يعمل ولداه أيوب وناصر.
جاء زهري الحايج إلى البوكمال منذ سنوات مع زوجته، فاشترى بيتاً، واستقر في النّكرة أحبه الناس ووثقوا به لأنه كما يقولون طيب وابن حلال.
وقد نشأت بين زهري وعاصم العاني صداقة فسافرا سوياً وتاجرا بالسمسم والتمور، لكنه بعد وفاة عاصم عاد إلى عمله السابق، فحبس نفسه في جومته يعمل ليلاً ونهاراً، ويقولون ان زهري الحايج إذا خرج من بيته إلى السوق تاه في البلد لأنه لم يعد يعرف شوارعها نتيجة انقطاعه الطويل.
كان ولداه يعملان معه، رغم أن ناصراً يعمل موظفاً في مصلحة النفوس، إلا أنه يرى دائماً أن مهنة أبيه تشرفه، وعليه أن يتعلمها جيداً حتى تؤمن لهم حياة هانئة.
دخل ناصر غرفته، استلقى على سريره، يطارده شبح زاعم الشاب الغريب الطباع، ناداه من داخله هاتف وطلب منه أن يصدق زاعماً وأن يبتعد عن التصرفات السيئة التي يعلمه إياها رفاق السوء الكفرة.
على الجدار قبالته كانت صورة ما تمد لسانها له، نهض ناصر وانقض على الصورة فمزقها، وعلى الكتب المكدسة على الطاولة الخشبية العتيقة فصار ينثرها أرضاً، كأن يداً قوية تدفعه ليفعل كل هذا. تراجع إلى الجدار وصار يلهث، سيطر عليه التعب، وأرهقته ثورته المفاجئة، لم يكن يعرف ماالذي عليه أن يقوم به، فتح باب الغرفة وخرج.
قادته قدماه إلى بيت العاني القريب من بيتهم، دخل غرفة زاعم الذي بادره بالقول:
ـ علمت أنك ستأتي، لأنك طيب، هم حاولوا إفسادك، لكن أصلك الطيب أعادك إلى صوابك، يقول لك الشيخ: اطع ربك، تنل ماتبتغيه، ولاتكونن من العصاة المكذبين.
أجهش ناصر بالبكاء، وأثقلت صدره هموم سنين ضياعه، وفساده بين الكتب المخربة، والأصحاب الشياطين، احتضنه زاعم الذي كانت عيناه تحملان بريقاً سحرياً، بريق انتصار لايمكن أن يمتلكه أحد سواه.
جلسا في الغرفة ساعات، يقص زاعم خلالها حكايات أسفاره، فيثير خيال سامعه ويجعله مأسوراً له.
حين خرج ناصر من البيت، كانت قبرة تحط على رأسه، لكنه لم يحاول إبعادها، أحس بأنها دليل خروجه إلى عالم جديد وشعر مع كل خطوة يخطوها أن قدميه تسيران إلى سبيل فيه خلاصه، ربما يكون مخطئاً، وربما يكون قد أسلم نفسه لدجال وساحر، لكنه على كل حال لن يخسر أي شيء.