بدا كل شيء أمام عينيه خراباً، عفناً، لاجدوى منه، وكان قادراً على الصمت والمكوث، رغم رائحة القذارة التي يشعر بها تملأ خياشيمه، صار يحس بأنفاسه الثقيلة تصدر فقاعات وقد جعل بينه وبين جميع الناس حاجزاً من ضوء يحجبه عنهم، ويحجبهم عنه، فلا يراهم إلاّ أطيافاً، ولايرونه إلاّ سراباً مستلقياً على ظهره، رافعاً ذراعيه إلى الأعلى.
تردد عليه الشيخ كثيراً، وكان كلّ مرة يسحبه، فيخرجه قليلاً من خلف حاجزه الضوئي، حتى نجح أخيراً في جعله ينبض ثانية، ويشرق وجهه.
نادت جدته العابرات السماويات اللواتي يقبعن على شجرة النارنج، وهي تقول:
ـ اهبطن، إنه ينهض الآن، اهبطن، ترين بساتينه الخضراء فلتنقرن حبوب الحنطة التي أعدت لكنّ، ولتغسلن ريشكن النوراني بمياه جسده الطاهر.
هبطت عصافير ملونة، وصارت تخترق جدران غرفته، وتحوم فوق رأسه مصدرة أصواتاً تشبه أصوات الصقور الجائعة.
دار زاعم في الغرفة، ودارت الطيور حوله، ثم اندفعت مادة مناقيرها باتجاهه، مخترقة جسده، ثم خرجت من الجانب الآخر يحمل كل واحد منها حبة حنطة بمنقاره.
انتشرت الروائح الغريبة كأنها روائح الحروب، وظهرت صور لاحصر لها على جدران الغرفة، ازداد تنفس زاعم صعوبة وسال دم أحمر قانئ من بطنه، صارت السماء تمطر فتدخل قطرات المطر من سقف الغرفة وتغسل بقع الدم.
كان يرتعد، والطيور تحوم حوله بسرعة، أصوات أجنحتها تصم الآذان، وصراخها أشبه ببكاء الأطفال، تخبط زاعم بين الطيور ولوّح بيديه يطاردها، حتى فرت ولم يبق لها أثر.
قالت جدته، وهي تدخل حاملة صينية عليها أطباق الطعام:
ـ هبطوا فطهروك، وتطهروا. باركوا روحك، وتباركت أرواحهم. جاؤوك من آخر الدنيا لتعود إليها. لقد غبت عنا أياماً، كنت فيها من الأموات ولست ميتاً، هائماً، وآن أوان نهوضك، فانهض وعد إلى شمسك.
عاد إليه لون وجهه، وهدأت نفسه، جلس يراقب عيني جدته، يلوح في مخيلته طيف أخو زهيّة.
بعد أن تناول طعامه، قام فصلى لربه ركعتين، ونام قرير العين ثم استيقظ، واتجه مباشرة إلى غرفة جدته.
كانت مكة عمته العانس تفرك ظهر أمها وهي تغني:
غريبة من بعد عينج يايمه محتارة بزماني
يهو اللي يرحم بحالي يايمه لو دهري رماني.
وكانت الحاجة صبرية تسبح بمسبحتها الطويلة وتهز رأسها. انتفضت العمة العانس حين رأته، وسترت ظهر أمها وهي تلومه لأنه دخل دون أن يستأذن، أسكتتها أمها، وعانقت حفيدها، وقالت له: