ـ سنحضر الليلة عندك في البيت. لا يمكننا أن نستمر بالحزن، نريد أن نشهد على قران حميدة من ابن خالتها سامي، فما رأيك؟
دُهش أحمد، فالوقت غير مناسب، ومازال الحزن يلفّ البيت بمن فيه، والموضوع يحتاج إلى رويّة.
قطع علي بك على أحمد تفكيره قائلاً:
ـ سنحضر بعد صلاة العشاء، وسيرافقني أبو عدنان وأبو ياسين وأبو سلطان وأبو صادق وأبو طارق.
ـ أرجو أن تمهلَني يومين على الأقل لأتدبّر أمري.
ـ كلّّ شيء جاهز يا أحمد. ستراه عندما تذهب إلى البيت.
ـ على بركة الله يا علي بك.
(15)
في حفل زفاف حميدة لابن خالتها سامي جرى احتفال عائلي مختصر، حضره علي بك وأبو ياسين وأبو عدنان وأبو طارق وأبو سلطان وأبو صادق الميكانيكي, وارتأى أحمد إلغاء الأهازيج والرقص والغناء والزغاريد إكراماً لروح أبيه الشهيد، فوافقه علي بك بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها المدينة أيضاً، لكن الفرحة التي غمرت حميدة وابن خالتها سامي كانت أكبر من الأحداث كلّها.
لم تصدّق حميدة أن سامياً أصبح زوجها بسنّة الله ورسوله، وما أن أنهى القاضي الشرعي مراسيم الزواج ومباركته حتى بدأت أطباق الحلوى الشهية تفوح منها رائحة السمن العربي تملأ الأنوف.
كان مهر حميدة صرّة من الذهب أودعها علي بك بين يدي حميدة قائلاً:
ـ والله يا بنتي لولا الظروف العصبية التي نمر بها جميعاًً، لأقمت لك حفل زفاف يفوق حفل زفاف أخيك.
قالت حميدة بخجل:
ـ والله يا عمّاه ما أردتُ من الدنيا شيئاً سوى ابن خالتي.
أما سامي، فوقف قائلاً:
ـ عهداً مني أمامكم أن أضع حميدة في عينيّ وفي قلبي، كما أعدكم بأنني سأواظب على الدراسة في المكتب السلطاني لأكون جديراً بحمل رسالة العلم والمعرفة. قبل أن تنتهي حفلة القران بدقائق، جاء أحد أتباع علي بك مسرعاً، وطلب رؤية سيدة على عجل...
خرج علي بك من الغرفة، واتّجه نحو الباب الخارجي، وتسلم وريقةً من تابعه. قرأها فتجهم وجهه النحيل، لكنه حافظ على توازنه، وعاد إلى الغرفة.
لاحظ أبو ياسين تغيّر ملامح وجه علي بك، فاقترب منه، ولم يستطيع علي بك أن يخفي ما جاء به حارسه. قال بصوت متهدّج:
ـ القوات الفرنسية اتجهت من حلب إلى دير الزور بقيادة (دوبيوفر) والمطلوب منا عمل عاجل.
قال أبو ياسين:
ـ تمهّل يا أبا راغب. الصباح رباح. وسيرون منّا ما لم يروه طوال حياتهم.
ـ إذن سنجتمع مع أعضاء الخلية صباحاً في المكتب السلطاني.