في أرمينيا، سكن في بيت بوغوص الخنزير كما يسميه أهل قريته الصغيرة التي تقع على الحدود التركية.
كان بوغوص صانع عربات ماهراً، طيب القلب كثير الضحك يجيء إليه الناس من كل مكان ليصنع لها العربات القوية التي تجرها الخيول، وكانت لبوغوص ابنة جميلة تعيش معه في بيتهما المتواضع، اسمها ليزا.
تعلم زاحم من بوغوص صناعة العربات وصار يعمل معه في ورشته. وكان يتعلم الأرمنية والروسية من ليزا، التي صار بإمكانه أن يسرق منها بعض القبلات بين الحين والآخر ونشأت بينهما علاقة حب علم بها الآخرون سريعاً، إذ أن أم ميسروب العجوز الثرثارة نقلت الخبر إلى الجميع.
كان الأرمن، طيبو القلب، يعاملون زاحماً وكأنه واحد منهم، يدعونه إلى بيوتهم ليتناول معهم العشاء المعد من لحم الخنزير أو ليشرب كأساً من النبيذ المعتق الذي يخزنونه في أقبية بيوتهم وكانوا يسمونه زاخيم.
قرر زاحم أن يتزوج ليزا ابنة بوغوص وأن يبني بيتاً ويستقر في هذه القرية الجميلة، لكن أخو زهيّة جاءه ذات مساء، وأمره أن يجهز نفسه للرحيل نحو مدينة آبائه، كي يفرح الناس الذين ينتظرون عودته في تلك الأرض الطيبة.
حاصره التفكير المضني أياماً، حتى اتخذ قراره في النهاية وأخبر بوغوص وابنته بأنه لابدّ أن يسافر، فالطيف الذي كان ينتظره جاء، ولم يعد بقاؤه ممكناً.
ودعه أهل القرية والدموع تملأ عيونهم، أما ليزا فقد قصت ضفيرتها الشقراء الطويلة، وأعطته إياها كي تحرسه.
انطلق زاحم عبر الجبال والأودية، لم يكن يعرف أين تقع مدينته التي لم يرها. أوصله تنقله إلى منبع الفرات، فسحره ذلك الدفق المائي العجيب، وأحس باختلاج وظمأ غريبين، فانحنى للماء وصار يشرب حتى ارتوى، وزال اختلاجه، كان الناس الموجودون حول المنبع يراقبونه مستغربين، تقدم منهم، وسألهم بالأرمنية والروسية عن مدينته المفقودة، فلم يلق جواباً، سار يومين كان يقتات خلالهما على السمك الذي يصده، وكلما مرّ بجماعة من الناس، سألهم باللغات التي يعرفها عن مدينته التي لا يعرفها، وكلهم أخبروه أنهم لم يسمعوا بها من قبل.
نام زاحم متعباً، فرأى نفسه، في المنام، يسبح دون تعب، أياماً وأياماً، ثم يصل إلى مدينته الجميلة.
استيقظ فرحاً، فاستحم، واصطاد سمكة كبيرة، فالتهمها، ثم جلس على الضفة حتى المساء، لاح له على وجه الماء أخو زهيّة، يمشي مشيراً له بيديه بأن يسبح كما رأى في منامه.