ـ تعبت؟. هز زاعم رأسه نافياً، فضحك عاصم وأردف:
ـ نزور أخو زهيّة، ما رأيك؟
ابتسم زاعم ابتسامة الموافقة ـ أخو زهيّة، كم تردد على مسامعه هذا الاسم، كم ود لو أنه يراه، ويعرف من هو، ولماذا يحكي عنه الناس دائماً...
لقد قالت له جدته: لولا أخو زهيّة لما ولدت.
الحركة الثانية:
بساتين تتشابك أشجارها، يمتزج الأخضر بالأخضر في تصاعد نحو أزرق سماوي، طريق طينية لزجة، نخيل يتطاول رافعاً أكمامه ملوحاً للعابرين.
سار زاعم إلى جانب أبيه، كفه الصغيرة تتشبث بكف أبيه الكبيرة وعيناه دائرتان ذكيتان تسجلان الحركات المفاجئة لطيور السمن وأبو الزعر.
كان هدوء تتخله أصوات ضفادع تنق من السواقي المنسابة في كل جانب من البساتين، وأصوات طير الشقرق، تملأ الظهيرة الصامتة، زعيقاً، وهي تطير ساحبة أذيالها الطويلة وراءها.
ارتفعت عينا زاعم إلى الأعلى: أبو الجراذ يراقب طرائده القلقة تتراكض مرعوبة وتختفي في جحورها، جرذان البساتين تندس في الثقوب خوفاً من عدو يقف في كبد السماء يرفرف بجناحيه القويين ثم ينقض كصخرة ملقاة من عل على أحد الجرذان، فيحمله ويطير.
اجتازا بستان بيت حج عاصي، وصار قلبه يدق سريعاً، إذ لاحت في الطرف البعيد من بساتين البرغوث غرفة أخو زهيّة، تظللها سحابة، وتحوم حولها شراشيح الماء دائرة من طيور بيضاء وزرقاء ـ .
شد عاصم على كف ولده وحمله، كان الولد قد بدأ يرتجف، ويصفر لونه، قال عاصم:
ـ لاتخف، أخو زهيّة يحبك، وهو لايخيف أحداً.
حين وصلا إلى الغرفة، خرج أخو زهيّة لاستقبالهما، فبدا وجهه نورانياً تزينه لحية بيضاء طويلة، أنزل عاصم ولده على الأرض، وقبل كف شيخه، فمسح الشيخ على رأسه، وهو يردد:
ـ بارك الله فيك.
ثم بدأ يسبح باسم ربه، رافعاً يديه إلى الأعلى، وأمسك الصغير، فقبله، ثم قال عاصم:
ـ امض في سبيلك، وعد حين آذن لك.
غادر عاصم المكان، وابتسامة رضى غريبة تعلو وجهه...
سحب الشيخ الطفل من يده، ودخلا الغرفة وأجلسه على الأرض.
كان زاعم يرتعش خائفاً، فأعطاه حبتي تمر، وكأس لبن وقال: تقشف، تكن أنظف.
أكل الصغير حبتي التمر، ثم شرب كأس اللبن وحمد الله.
ابتسم أخو زهيّة، وأمسك الصغير من كتفيه، ودفعه إلى الجدار ببطء، جحظت عينا زاعم، ونزلت دموع حارة على وجنتيه، فرفع أخو زهيّة عصاه إلى الأعلى وقال: