تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- (ادخلوا.. ادخلوا يا أولاد.. يا مساكين أغرقكم المطر ..) قرّبتنا من الموقد، حيث يجلس أمامه جدي ممسكاً (المحماص) بيده يقلب حبات البن على الجمر. والجمر يتلألأ تحت طبقة رقيقة بيضاء من الرماد، يقلِّبه بملقاط حديدي أسود. رائحة القهوة والهيل الفواحة لذيذة شهية. رحب جدي بنا، ولم يفته أن يندد بتعريضنا أنفسنا للبلل أما هو فكان قد تخلف عن صلاة الجمعة بسبب مرض المفاصل الذي ألمّ به مؤخراً. البرد يرشق باحة الدار، ويعزف على ألواح التوتياء التي تغطي الشرفة الأمامية، والريح تعصف بالأشجار، وتصفق نافذة مفتوحة هنا وهناك للجوار. أخوالي كانوا خارج الدار، عدا خالتي بديعة التي شرعت في مناكفتي ومماحكتي كعادتها، مُمارسةً هوايتها الأثيرة هذه كلما لقيتها. وهي ما انفكت تصرّ على أن أبدي لها التوقير المطلوب للخالات، فيما أصر من ناحيتي على عدم الاعتراف لها بهذه المكانة، وهي التي تماثلني عمراً، وإن كانت تبدو الآن شابة مكتملة الصبا. قدمت لنا شاياً وفطيرة بالسمن والسكر قبل أن يكف المطر وننصرف .

…كان المطر قد غسل حجارة الطريق التي كنا نحاذر الانزلاق عليها، فنلتصق بالجدران الطينية اللزجة، لاسيما وأن القناة المتعرجة التي حفرتها الأمطار على مرّ السنين، يتدفق فيها الماء بلون الطمي الأحمر، مرسلاً هديره الذي عهدنا كلما هطلت الأمطار في كل شتاء .

…ألفينا في دارنا العم عبد الغني، يجلس إلى العم أبو صافية. هو الآخر احتمى بدارنا إثر خروجه من المسجد. أمي في الداخل تعدُّ غداء. محمود وعلياء يقرآن ويكتبان، بعد أن أمضيا وقتاً مع البرد المنهمر من السماء. لاحت معالم الشيخوخة على العم عبد الغني أيضاً. لاسيما وأنه أرخى للحيته العنان فطال شعرها الأبيض، وضاقت حدقتا عينيه. وبدت التجاعيد على جانبي فمه والغضون على جبينه. يتدثر بفروة سميكة ذات صوف خراف أبيض من باطنها. يتدفأ على المنقل، فيما هو يرشف فنجان القهوة بتريث. يتحدثان عن الأحوال.. الصيرورة والمآل.. الأخطار المحدقة.. الحوادث الأخيرة في القرية.. كان الأحساس بالخطر مشتركاً بينهما ومدار حديثهما.

روايات · الصفحة ٦٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٦٤٧