تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان أبو ياسين متأثراً بأفكار تحسين بك الاشتراكية، التي وجد فيها خلاصاً لكل المقهورين والمعذبين في الأرض، وكان الجدال مستمرّاً بينه وبين المختار أبي عدنان الذي يرى في هذه الأفكار إلحاداً وتبعية، وانقسم المناضلون إلى مؤيّد للمختار ومعارض له.

كان المثقفّون يرون في أفكار أبي ياسين نوراً يضيء لهم دياجير عتمة الطريق، وكان المختار واتباعه يرددون بحماسة:

ـ تبّاً لليهود الذين صاغوا أفكار الشيوعيين في روسيا !

قال المختار لأبي ياسين عندما احتدم النقاش:

ـ يا أبا ياسين .. أتعرف أصل / ماركس وأنجلز/؟

ـ لا يهّمني أصلهما وفصلهما، ما يهمّني فكرهما المتنوّر. نحن لم نسأل عن أصل الخوارزمي وابن سينا ونفطوية وسيبوية والفارابي وزرياب، كان كلّّ همنّا أن ننهل من أدبهم وعلمهم وفنّهم.

ـ لكن هؤلاء أسلموا، وأصبحنا جميعاً بنعمة الله إخواناً.

ـ يا مختار أرجوك افهمني. نحن نبحث عن الفكر الذي يرتقي بنا ويسمو، لا عن الفكر الذي حارب العلم والمعرفة، وأشاع الأمية في وطني يا مختار كفاك ظلاماً. نريد أن نرى النور.

ـ لكن / ماركس وأنجلز / مخربان للعقول وللأمة العربية والإسلام .. إنهما لا يؤمنان بالقومية العربية التي نعمل ونضحي من أجلها .. إنهما لا يؤمنان بالغيب كما نؤمن به، ويحثنّا عليه ديننا الحنيف، فاتّقِ الله يا أبا ياسين، وارتجِ عفوه.

ـ يا أبا عدنان، إن كنت لا تؤمن بأفكارهما، فلم تصادر حريّة الآخرين؟.

ـ قاتلهما الله والله إني لا أحب ذكرهما أبداً.

يا أبا عدنان، أنسيت فضل الاشتراكيين في روسيا علينا، ألم يكشفو لنا أسرار اتفاقية سايكس بيكو، وخداع بريطانيا وفرنسا للشريف حسين ؟ !

ـ صحيح ما تقول. لكنهم كانوا يبغون من وراء ذلك مصالحهم.

ـ ما مصالحهم عندنا؟.

ـ ستكشف لك الأيام هذه المصالح يا أبا ياسين.

كان علي بك يتدخل كلما وصل النقاش إلى الذروة، رغم رضاه على كلّّ محاورة فكرية تدور بين أعضاء الخلية، لأنها توسع آفاق العضو، وتسمو بمداركه. قال في نهاية المحاورة:

ـ كلاهما على صواب .. الفكر الاشتراكي خير من الفكر الرجعي الذي يشدنا إلى الجهالة والفقر والحرمان، وليته كان يشدنا نحو الإيجابية.

الفكر الاشتراكي ينشد العدالة للجميع، وهو إنساني غير متقوقع، وأنا مع الفكر الاشتراكي وفق ما يناسب واقعنا وخصوصيتنا العربية والإسلامية، فالغيب الذي لا يؤمن به الفكر الاشتراكي نحن نؤمن به لأننا مسلمون.

روايات · الصفحة ٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٦٠