ـ ابتسم علي بك، ووضع كفه على كتف مردخيان، وقال:
ـ اسمع يا أخي .. إنني باسم المقاومين العرب كلهم أشكرك وجماعتك، وأرجو أن تبتعدوا عن هذا الطريق الشائك، خوفاً عليكم من أمور لا يحمد عقباها.
ـ لكننا أعددنا خطة للتخفّي، ولن يعرفوا من نحن، ثم أحب أن أخبرك أن نساءنا لديهنّ الرغبة نفسها، فلا تقتل فيهنّ الحمية والنخوة، أرجوك.
ـ صدّقني أيها القس بأننا سنلجأ إليكم إن احتجنا لمساعدة أو مؤازرة، أما الآن فنحن بخير إن شاء الله.
خرج علي بك مزهوّاً بمبادرة العمال الأرمن، وكان طوال الطريق يفّكر مليّاً بكل كلمة قالها القس مردخيان، وتذكر من قبل ما قاله أبو ياسين عن رغبة زوجته وأمها بالتطوع.
قال المختار وهو يوقف حصانه عن السير، ملتفتاً ً إلى علي بك:
ـ لِمَ لا نستعين بالأرمن في بعض الأمور الخدمية والصحية؟!
أجاب علي بك بحدّة:
ـ لا يا أبا عدنان. قلت لكم ليس الآن، سيأتي دورهم لاحقاً.
سار علي بك، وسار وراءه المختار ورفاقه، وكان ثمة سؤال ملحاح في رأس علي بك يدور ولا يهدأ: تراها سداداً لدين طوّق أعناقهم ؟!
كان الرجال الذين يسيرون خلف علي بك قَدْ أدركوا بحسِّهم سرّ صمته، فلم ينبسوا ببنت شفة، حتى إذا ما قطعوا شوطاً طويلاً، تنحنح المختار قائلاً:
أين شرد قائدنا ؟
ابتسم علي بك قائلاً:
ـ لقد سرّني بستانك كثيراً، جمالاً وترتيباً وخيراً وفيراً، والأكثر من ذلك كلّّ العاملين فيه.
ـ كلّّ ذلك بفضل الله، ثم فضلك وفضل الأرمن.
ـ الأرمن طيّبون أوفياء، وأرجو من الله أن يسدد خطاهم، ويتم عليهم نعمته .. لكن من أوحى لهم بحياتنا الماسّة إلى عطاءاتهم.
ـ يا أبا راغب .. هم أذكياء وعمليون، ويشعرون أنهم قادرون على فعل ما لم نستطع فعله، لذا ابتكروا وسائل وأساليب لا تخطر على بالنا أبداً.
ـ لكنني أخاف عليهم كثيراً، وأنا حريصٌ على حياتهم .. إنهم أمانة عندنا، أنسيت ؟!
ـ لا .. لم أنس
ـ قال أبو ياسين والحماس يتملّكه :
ـ تصور يا أبا راغب أن أم ياسين وأمها أصبحتا خبيرتين في إصلاح السلاح وصنع الذخائر والمتفجرات، ورجالنا لا يمتلكون هذه الخبرات، ونحن بأمس الحاجة إليها أم ياسين وأمها خبيرتان في إسعاف المرضى وتضميد الجراح، ونحن بحاجة إلى خبرتهما. أم ياسين وأمها خبيرتان في التخفي ونقل المؤن والمستلزمات الضرورية للثوار، ونحن بحاجة ماسة إلى هذه الخبرة. أرجوك يا أبا راغب للمرة الثانية دع الأرمن يمارسوا رغبتهم الصادقة في مساعدة الثوار.