…وما أن قضيت الصلاة، حتى عاد (الهندي) إلى تسرُّعه المعهود. لا بد من اللحاق بالحافلة المسافرة إلى يافا. ولكي يسكتنا اشترى لنا ملبن ومهلبية، وسقانا أكواباً من الخروب المثلج. حاولت خالتي أن تثنيه عن عزمه، لكي نبيت في القدس هذه الليلة، لكنه أبى. تنازعتني الرغبة بين البقاء والرغبة في العودة إلى أمي وإخوتي والرفاق، إلى حارات يبنا وبياراتها. وكما يحدث دائماً، رضخ موكبنا الأصغر لأمر (الهندي) وإذا بنا على متن الحافلة التي تقلنا إلى يافا.
…شوارع يافا، قبيل الغروب أقل اكتظاظاً بالناس عما كانت عليه صبيحة ذلك اليوم. نستقل الحنطور. نطرب لوقع حوافر الحصان على حجارة الشارع، كموسيقى ذات إيقاع موزون. تغمرنا البهجة أنا و فوزي، فهذه أول مرة نركب فيها حنطوراً. تبهرنا واجهات المحال المضاءة باكراً، قبل أن يحل الظلام. معروضاتها الآسرة، نشتهي كل ما فيها. حتى تلك الأشياء التي لم نرها من قبل، ولا نعرف ما هي، لكنها لا بد أشياء جميلة تقتنى أو تؤكل أو تشرب ..! الكراسي على الأرصفة أمام الحوانيت والمقاهي، يجلس عليها رجال من ذوي الطرابيش، أمام بعضهم الأراجيل ينفثون دخانها، وقد رشت الأرض بالماء، فانتشرت في الجو رائحة الرطوبة المتربة. هذا (مقهى الانشراح) المشهور. حتى في يبنا يأتون على ذكره. جدرانه جميعاً من الزجاج، ينبؤنا زوج خالتي. كان على وشك أن يقول شيئاً آخر، لكنه كف بغتة عن الكلام، حينما انحنى يمد نصف جسده إلى خارج الحنطور محملقاً بدهشة، ثم يهتف مثيراً فزعنا :(انظري يا نعمة.. أليس ذلك الرجل هو محمد الشريف...؟).
…بادرت خالتي تنظر إلى حيث أشار زوجها. ولكن الرجل كان قد ابتعد قليلاً وهو يسير على الرصيف المقابل، فلم تعرفه إذ كان ظهره فقط بادياً فقالت :
…- تعني ذاك الرجل؟ لكنه يضع على رأسه (برنيطة) وهو يرتدي بدلة أيضاً يا(أبو صبحي)..اتق الله يا رجل.. محمد الشريف و(برنيطة).. معقول؟ ولماذا يكون هنا الآن..؟
…- هذا ما حيرني يا امرأة. اؤكد لك أنه هو بعينه.. ولكنه ..
…- يخلق الله من الشبه أربعين.. محمد الشريف؟ وحِّد الله يا رجل ..!