وكان أكثر من شيخٍ عرفتهم المدينة أيام الجوع، يولمون الولائم للجائعين، ويكسون العراة، ويبذلون المال بسخاء، أمثال الشيخ أحمد وجنيد والحاج رشيد.. كانوا يدورون في الأحياء، يوزّعون المؤن على المنكوبين، وقد بثّوا عدداً من الرجال يصيحون: من يريد مساعدة فليتجه إلى بيوت هؤلاء المحسنين. فتهافت الفقراء والمُعوزين إليهم من كلّّ حدب وصوب.
بقعة ضوءٍ أخرى أنارت دياجير الظلام في حياة عدد من الرجال بعيداً عن جوّ النكبة، وما خلّفه الفيضان أمثال: أحمد الصبّاغ وأبي ياسين وأبي سلطان وطارق، إذ منّ الله عليهم بأولاد ذكور عدا طارقاً الذي كان نصيبه مولودة جميلة. أقاموا لأجلهم الاحتفالات، ولم تعد الدنيا تتسع لفرحتهم.
أما الخلية الثورية التي اتّسعت رقعتها، وكبر فضاؤها، وتنوّعت مشاربها، فقد قادها المثقّفون والمناضلون الثوريون الذين شكّلوا جماعة العهد لتقض مضاجع العثمانيين، وكانت الأستانة تدرك جيداً أهمية لواء الزور ومقدرته الفائقة في قلب الموازين، وبخاصّة عندما مالت كفّة الحلفاء عليها، وجعلتها بين المطرقة والسندان، فقرّرت إرسال والٍ جديد إليها اسمه /علي سعاد بك/ الذي بدا لطيفاً وكريماً ومتسامحاً مع سوقيات الأرمن الجديدة التي تهافتت على اللواء، بحيث أمر بترحيلهم إلى حلب دون المساس بهم.
وكان من بين القادمين بقايا أهل هاصميك زوجة أحمد الصبّاغ: أمها وأختها وخالتها، فقدْنَ الأب والأخ والابن.. احتضنتهم هاصميك بكل الشوق الكامن فيها..
دموع مدرارة تهطل بلا حدود، تبلّل الوجنات، وتحرق الشِّفاه، والنشيج يتعالى كلّّ هنيهةٍ، وصوت هاصميك الناشج يتساءل:
ـ أمّاه.. أين أبي؟ أين إخوتي؟
ـ لقد رحلوا يا بنتي إلى حضرة الإله..
ـ إذن قُتِلوا؟ أليس كذلك؟
ـ لقد أُلقوا في هاويةٍ سحيقة قبل أن نصل إلى هنا بوقت قصير.. صلّي لأجلِهم يا بنتي.
صرخت هاصميك صرخةً رجّت الأرض، أفزعت كلّ الواقفين، وسقطت مغشيّاً عليها.. حملها أحمد على ساعديه، وبلّل وجنتيها بدموعه مردّداً:
ـ هاصميك.. حبيبتي.. يا أطهر النساء، ردّي عليّ.. لا تتركيني وحيداً.. إن لم يكن من أجلي فمن أجل طفلنا الرضيع.
تحت ظِلّ شجرة على الشاطئ أجلسَها، ومسح وجهها بمنديله المبلل بالماء.. فتحت عينيها ببطء وتثاقل، فرأت خيالات ترمقها بعيون ذابلة.. اقتربت منها أمها، فأودعت وجهها الجميل قبلات محمومة.. همست في أذنها:
ـ هل مازال جدّك حيّاً؟