تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…" أرملة..! يا لها من كلمة كئيبة. لم تحسب يوماً أنها سوف تحملها لقباً أبدياً. ولكن ها هي ذي منذ اليوم سوف تحمل من هموم الحياة وأعبائها ما لم يكن يخطر لها على بال. كان سليم يملأ عليها حياتها، بشخصيته القوية الآسرة. تشعر في كنفه بالحماية والأمن. لقد ذهب الآن، تاركاً إياها منكسرة القلب والجناح، مع أطفالها الأربعة، لكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميها كعهدها بها فيما سلف. بل إن الكون كله يبدو الآن موحشاً مخيفاً، وكأنه قد خلا من كل شيء" .

…لم يترك لنا الشيء الكثير، اللهم إلا هذا المنزل العتيق. لم يكن سيئاً، على أية حال. غرفتان تمتد أمامهما شرفة. هي في الواقع مصطبة مرتفعة مدت بالأسمنت الأسود. وقد بني البيت من الحجر الرملي، المتوافر في محاجر القرية مجاناً لمن يشاء. أما السقف فمن القرميد الرمادي. وقد ارتفعت أرضها جميعاً عن سائر فناء الدار، فبدت منها أزقة القرية المنخفضة عن مستواها، والمنازل القديمة المفضية إلى البيادر، التي تبدو عن بعد وسط نطاق أخضر من بيارات البرتقال. وقد اعتاد الفلاحون جمع محاصيلهم من القمح والذرة في تلك البيادر، حيث يدرسونها بواسطة الدواب، فيما تتردد أصواتهم بأهازيجهم ومواويلهم، يقطعونها بين آونة وأخرى، لينتهروا دوابهم ويحثونها على مواصلة السعي.

…فضلاً عن هذا كان بيتنا ينطوي على شيء غير قليل من العلل. من ذلك أن بعض قرميده قد تشقق أو تكسر منذ زمن، مما يتيح لقطرات المطر التسرب إلى داخله. أما جدرانه فمتآكلة، ذهب طلاؤها وبعض طينها. كما أن فناءه حافل بالحفر. صحيح أن أبي كان يزمع ترميمه منذ سنين، إلا أنه كان يرجئ ذلك من الشتاء إلى الصيف، عاماً بعد عام، منتظراً أن يأتيه الله برزق يوسع عليه بعض الشيء، يمكنه من إصلاحه مرة واحدة. بيد أن توقيت الأجل كان الأسبق. كما نملك أيضاً قطعة أرض صغيرة، في منطقة (أم الذهب) وقد أسموها كذلك - فيما يروى - لخصوبتها ووفرة محصولها. كانت تزرع قمحاً في عام وذرة في العام الذي يليه، تبعاً لتقاليد الفلاحين المرعية في هذا الشأن.

روايات · الصفحة ٣٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٣٨٣